شبكة نوى، غزّة:
"لن تعود شقيقتي إلى غزة" قالتها لما محمود بأسىً وبكَت، فهي لن تستطيع استعادة ذكريات الطفولة برفقة أختها التي غادرت القطاع إلى أمريكا قبل أكثر من عقد، ولن يكون "رمضان" القريب، كما وعدَتها قبل عدة أشهر "دافئًا جدًا على قلب أمهما" حين تجتمع العائلة.. "كلُّ" العائلة، على مائدة إفطارٍ واحدة.
أجواء البؤس التي كانت تخيم على المواطنين قبل بدء شهر رمضان من كل عام، بسبب تدهور الوضع الاقتصادي داخل قطاع غزة المحاصر منذ 14 عامًا، ستكون أكثر بؤسًا هذا العام، بالنسبة لـ "لما" تحديدًا، "في ظل استمرار هذا كله، وزيادةً عليه كورونا، وحالة إغلاقٍ وطوارئ، واستمرار غياب أختي" تقول.
لم تعلق "لما" زينة استقبال "رمضان"، فعلاوةً على أسعارها المرتفعة بالنسبة للدخول المحدودة، فإنها لن يكون لها أي داعٍ هذا العام كون أحدًا لن يزور أحد، والمساجد مغلقة بفضل حالة الطوارئ التي فرضتها الجائحة –على حد تعبيرها. تضيف: "مظاهر الاحتفالات بالمناسبات الدينية والأعياد، تحولت إلى أمور مرهقة اقتصاديًا بالنسبة لسكان القطاع منذ أطبق عليه الحصار، صارت الأولوية لتأمين الغذاء، وتدبير احتياجات المنزل، ثم الاهتمام بالكماليات، والزينة، وغير ذلك".
كانت "لما" تنتظر حلول العام 2020م، لإيمانها أنه سيكون الأحلى على مدار سني عمرها: أختها ستعود لزيارتهم، سيُقام حفل زفاف شقيقها خلال الصيف، ستقضي رمضان مع عائلتها في أجواءٍ رمضانية لا تُنسى، ستعلق الزينة وتربطُ موعدًا مع الفرح، لكن.. "كورونا" أوقف حركة الطيران، بل أحكم الحصار على غزة المحاصرة أصلًا "هذا ما حدث بالفعل" تعقب.
عن تقييمها لأجواء استقبال الشهر الكريم في وسطها المحيط، أكملت: "حركة السوق ضعيفة جدًا، الناس في بيوتها تخشى الاحتكاك (..) ليس هناك ما يشجع على شراء الزينة، الدافع ليس قويًا، إذ بالكاد نشتري المستلزمات الأساسية لإعداد الطعام فقط".
"بصراحة مش حاسين إنه رمضان جاي"، هكذا عبّرت منار عوّاد التي كانت تتجول في أحد محلات الهدايا، تتفرج على الزينة وتسأل عن أسعارها، هي لم تستطع أن تمنع نفسها من الخروج ومشاهدة أجواء رمضان التي تحبها في الأسواق، رغم أنها لا تملك المال لشراء أي فانوسٍ صغير.
تقول: "زوجي الذي يعمل صاحب بسطة على كورنيش غزة، أغلق بسطته منذ أعلنت حكومة غزة إغلاق المقاهي والمطاعم وصالات الأفراح، منذ ذلك الوقت دخلنا محدود للغاية، وأوضاعنا الاقتصادية تتدحرج نحو الهاوية".
تتابع: "منذ بدء الحصار، وحياتنا تزداد سوءًا، وهذه المرة يزورنا الأسى مضاعفًا، فكورونا تقف إلى جانب الاحتلال ضدّنا، لا عمل ولا مال ولا أمان ولا حياة!".
وبحسب آخر نسبة صدرت عن وزارة التنمية الاجتماعية بغزة، فإن نسبة انعدام الأمن الغذائي في صفوف سكان القطاع بلغت 70%، كما أن نسبة الفقر والبطالة وصلت خلال العام 2019م، إلى ما يقرب 75%، في حين وصلت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع إلى 33,8%.
لكن.. في منزل جميلة كحيل، يختلف الأمر تمامًا، إذ بدأت المرأة الستينية بتجهيز الزينة، وشراء كل ما يلزم رمضان تمامًا كما تفعل في كل عام، ليس لأنها ستحتفل وتتبادل الزيارات، بل لأنها تريد تحسين نفسيتها بالتغيير، وإن غابت لمّة العائلة فلا ترغب بتغييب أجواء الشهر –وفق قولها-.
تقول لـ "نوى": "عادةً نقيم وليمة في اليوم الأول من رمضان، نجتمع بها أنا وأبنائي وزوجي، اليوم لا ندري إذا ما كنا سنفعل ذلك أم لا"، تضيف ساخرةً: "بنخاف يجيبوا كورونا معاهم".
وسط هذا كله، أكثر ما يذكره الجيل الجديد في قطاع غزة عن "رمضان" هو ما حدث فيه عام ٢٠١٤م، كلما هبّت نسائمه تناثرت ذكريات العدوان والمجازر وفاحت رائحة الدم، منذ ذلك الوقت، تجتمع العائلات غالبًا على سرد الذكريات التي يحفظها كل صغير وكبير في العائلة، المثير هذا العام أنهم سيضيفون إليها تفاصيل أخرى ترتبط بظروف الحجر المنزلي بسبب كورونا، "ولن يلتفت أحد للزينة" تختم جميلة.
