"بيحسدونا".. هكذا ينظر العالم إلى غزة الخالية من "كورونا"
تاريخ النشر : 2020-03-17 20:38

غزّة:

"غزّة هي أأمن مكانٍ في العالم"، عبارةٌ ردّدها المئات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية فايروس "كورونا" كجائحة عالمية، في فرصةٍ لـ "تجميل" وجه الحصار المطبق على أنفاس قطاع غزّة منذ 14 عامًا. عبارتهم تلك ليست مقصودةً بمعناها الحرفي بكل تأكيد، فليس الحصار جميلًا وليست غزّة بالآمنة.. إذن ما حقيقة الأمر؟

في العام 2017، حذرت الأمم المتحدة، من أن يكون قطاع غزة قد أصبح مكانًا "غير صالح للحياة" تمامًا بحلول عام 2020م، وذلك في تقرير أصدرته بعنوان "غزة بعد عشر سنوات"، ويؤكد التقرير أن معظم التوقعات السابقة لعام 2020 قد تدهورت أكثر، وأسرع، مما كان متوقعًا لها في عام 2012م.

وأمام تغوّل "كورونا" في العالم، و"فكاهة" خلو غزة وأمنها منه في الوقت ذاته، أكدت وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع خلوه من كورونا بشكلٍ رسميٍ فعلًا.

وقالت الوزارة في بيان أصدرته قبل أسبوع: "الفحوصات المخبرية التي أجريت لمواطنين خلال الأيام السابقة كانت جميعًا سلبية، ونؤكد مجددًا خلو قطاع من فايروس كورونا". كيف يتعامل الناس من خارج غزة مع هذه الفكرة؟ وبماذا يحدثون الفلسطينيين المحاصرين بداخلها؟

"بيحسدونا" هكذا أجاب الشّاب محمد الجمل 32 عاماً عن السؤال، قائلًا: "جولة سريعة على بعض قصص المشاهير، في مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى بعض مواقع الصحف العالمية مثل "لومند"، تجدهم يروّجون بأن غزّة خالية من الكورونا وآمنة منها في ذات الوقت".

وراج مقطع فيديو أمس لطبيب كويتي خرج لجمهوره عبر مواقع "السوشال ميديا" يخبرهم أن مدينةً اسمها "غزّة" يطبق عليها حجر تعسفي منذ 14 عامًا "لا أحد يدخل إليها ولا أحد يخرج منها"، وهي أأمن مكان يمكن أن يكون الناس فيه، موجهاً تحيته إلى أهالي القطاع! 

يضيف الشاب الجمل: الأمر بات يشكّل استفزازًا بالنسبة لي على الأقل، فنحن يمكن أن نسمع من وزارة الصحة إصابة أحدنا بالفايروس في أي وقت، ليست فكرة السفر معدومة، ولسنا في كوكب آخر كما يعتقدون!".

بينما يعلق محمّد أبو طه 29 عامًا على موضوع خلو غزّة من الفايروس، بالقول: "هذا الموضوع هو سيد كل الأحاديث التي تدور بيني وبين أصدقائي في الخارج، ومن جنسيات عديدة".

ويذكر لـ "نوى" بعضًا منها، فعلى سبيل المثال: "نورس أبو صالح، وهو مخرج فلسطيني مغترب يقول له: "يا راجل، غزة بعد كل هالسنين الصعبة، صارت أأمن مكان بالعالم"، أما الصحافية التونسية "رجاء شعباني" فقالت: "بدنا نروحوا لعندكم، تركيا الأمان فيها هْرَب زي بن علي".

يؤكد أبو طه أن أغلب تلك الحوارات تكون مزاحًا، مع تصديقهم بحقيقة أن غزة "المحاصرة" باتت المأمن من هذا الفيروس.

ومن ناحيتها، ترى سهام الحاج (42 عامًا) وهي أم لستّة من الأبناء، أن "العالم مغيّب عن حقيقة الوضع في قطاع غزّة، فلا يهتم به إلا في أوقات الحروب، وبعد أن تفوح دماء الفلسطينيين عبر وسائل الإعلام، وفي أوقات أخرى من "استراحات" الحروب وفق وصفها، فإن لا أحد يتطلع لزيارتها، خصوصاً المشاهير الذين يعتقدون أنها آمنة اليوم من خطر انتشار الفايروس".

ولا تُخفي سهام قلقها من احتمالية وجود إصابات في غزة، كون الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمنع انتشار الفايروس أو الوقاية منه "غير حقيقية ولا تكفي" على حد تعبيرها، منبّهةً إلى أن "طرق التوعية من الفايروس وإمكانية الوقاية منه ضعيفة جدًا، ليست هناك أساليب أو خطط عملية لحث الناس بل إجبارهم على الالتزام بمعايير السلامة".

وفي الحقيقة؛ من المثير للسخرية أن يتحدّث الناس من خارج البلاد تحديدًا عن "أمن وأمان غزّة" من الكورونا! بينما "الكورونا" الأخطر ينخر في عظامها على هيئة احتلال يحاصرها منذ أكثر من 14 عامًا، يخنق أهلها في قطعة ضيقة من الأرض ويمثّل بأجسادهم، يشبعهم بسُمّ الرصاص والبارود والصواريخ والقذائف، ثمّ يسقطهم فيها مجددًا..

من الأرض وإليها، عزلٌ مطلقٌ عن العالم. احتلالٌ ينقضّ على أنفاسهم في المنزل وفي الشارع وفي أماكن العمل وفي المقاهي والمطاعم والمستشفيات، ينقضّ على الأجنّة في بطون أمهاتهم دون أدنى فرصة للشفاء. فلا شفاء من الاحتلال! ليس كابوساً، إنها حقيقة العيش هنا.

بالمناسبة، كيف هو لون السّماء خارج غزة؟ أو كيف يشعر الإنسان حين يقطع مسافةً بسيارته تتجاوز الـ ٣ ساعات؟ سؤالان جدّيان يطرحهما المحاصرون هنا باستمرار.