تجلس اليوم على أريكتها القديمة في ساعات الصباح الأولى، ترتدي نظارتها، وتحمل بيدها اليمنى كتابًا.
تُتمتم "همسًا" بما تقرؤه.. تقلب الصفحة، ثم ترفع رأسها لتسترق نظرةً إلى المدى حيث حوائط مكتبتها العتيقة، وأثاثها القديم، اللذان يخبران عن الحياة في ماضٍ مختلف، لا يمكن أن تنساه، حتى وإن بلغت من العمر 78 عامًا.
في التاسع والعشرين من شهر نيسان/ إبريل لعام 1942م، صرخت صديقة بن مصطفى عمر أولى صرخاتها في هذه الحياة، وأعلنت للعالم أنها أصبحت هنا. أسماها والدها "صديقة" لتكون "صديقةً للعلم، طليقة اللسان"، لكنه لم يكن يعلم أن ابنته هذه ستمر بالكثير من المنعطفات.. بدءًا من لمّا قرر لها أن تتعلم في مدينةٍ تخضع للأعراف والتقاليد المحافظة، التي تعدُّ المطبخ أفضل مكانٍ للمرأة، مرورًا بالسفر، وليس انتهاءً بعملها كمعلّمة في مسقط رأسها "بيت لاهيا" شمال قطاع غزة.
كيف كانت حياة النساء في تلك الحقبة؟ وكيف كان ينظر الناس للمتعلمات منهن؟ ماذا عن السفر لإتمام التعليم؟ والعمل في مجالات الحياة المختلفة؟ هذا ما سنجد إجابته عبر هذا اللقاء، مع "صديقة" أكبر معلمات مدينة "بيت لاهيا" المتقاعدات سنًا وتجربة.
عهد النكبة
بعد ست سنواتٍ من ولادة صديقة، تحولت "بيت لاهيا" كغيرها من المدن الفلسطينية إلى ملجأ للأسر الفلسطينية التي هجرها الاحتلال الإسرائيلي قسرًا من قراها ومدنها عقب أحداث النكبة الفلسطينية عام 1948م، وبدأ الفلسطينيون يبحثون عن ما يمكن أن يرسخ وجودهم في أراضيهم فكان "العلم" ملجأهم.
بدأت أغلب العائلات بالبحث عن أماكن جديدة لتعليم أبنائها، بعد أن كانوا يتعلمون في الكتاتيب والمدراس الحكومية قبل النكبة، فبنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين (الأنروا) المدارس، وحظيت صديقة والأطفال في عمرها بتعليم المرحلة الابتدائية.
لكنها كانت تلاحظ كيف كان عدد الطلبة يتناقص في كل مرحلة، أكثر من تلك التي تسبقها، لعدة أسباب: أبرزها حاجة الأسرة للمعيل، أما الفتيات، فكُنَّ قلة منذ البداية، وصولًا إلى المرحلة الثانوية، التي كان من النادر إيجاد من يتجرأ على عادات وتقاليد مدينته ويرسل ابنته للتعلم "فمعظم الأهالي كن يزوجن بناتهن مكتفين باجتيازهن الابتدائية".
الضربة الأولى
بينما كانت الفتيات في مدينة "صديقة" يخطين أولى خطواتهن لتكوين أسرة، والمتعلمة منهن من أتقنت الكتابة والحساب، كانت هي ووالدها يتجهان نحو أكثر خطواتهما جرأةً للتحليق خارج السرب، وللخروج بظاهرةٍ جديدةٍ لم يسبقهما إليها أحد.
تسعةٌ وثلاثون طالبًا و"صديقة" في مدرسة الثانوية، وفي مسارين موازيين، كانت تتحدى صعوبة التعلم وحدها، ووالدها يقاوم رفض المجتمع لخطوته تلك، حتى أنه كان يحاول تجاهل كافة الانتقادات القاسية التي كانت تطاله في كافة المجالس: "أي إنت من دون الناس بدك تعلم بنتك، أي بدها تطلع الأستاذة والدكتورة؟! قعّدها زي هالبنات!".
لم يستوعب المجتمع هذه الفكرة حتى انتهت صديقة من الثانوية، وفي أوائل الستينات بدأت باستكمال تعلميها للحصول على شهادةٍ أعلى، لكن المعاهد في فلسطين كانت قليلة، ففي قطاع غزة على سبيل المثال، لم يكن هناك غير معهد الأزهر للتعليم الديني التابع لمصر، ومعهد غزة لتعليم العلوم الإنسانية والرياضيات، أما في الضفة الغربية، فلم يكن هناك سوى معهد رام الله ومعهد قلنديا المهني.
تخرجت صديقة من معهد غزة للمعلمين والمعلمات، وكان عليها السفر إلى مصر، والحصول على شهادة عليا في التربية العسكرية، كون قطاع غزة أصبح بعد النكبة يتبع للوصاية المصرية ويطبق فيه نظام التعليم المصري.
تخرجت صديقة من معهد غزة للمعلمين والمعلمات، وكان عليها السفر إلى مصر، والحصول على شهادة عليا في التربية العسكرية، كون قطاع غزة أصبح بعد النكبة يتبع للوصاية المصرية ويطبق فيه نظام التعليم المصري، والضفة الغربية تتبع للوصاية الأردينة ويطبق فيها نظام التعليم الأردني.
عادت صديقة من مصر تتقن الرماية والفتوّة، متوجةً مراحل تعليمها بمتعة المغامرة الثقافية والمجتمعية، فكانت تقتصد مصروفها للذهاب إلى السينما، واقتناء مجلة "حواء" التي كانت تصدر أسبوعيًا، فكبرت وآمنت بحواء الفلسطينية، ممتنةً لكل فتاةٍ وسيدةٍ مجتهدة.
تشير صديقة إلى نفسها كنموذج، فتقول لـ "نوى": "أصل التربية هي الأسرة، والبنت الي تمشي عدل تسوى عشر رجال، والوالد ربانا على الصدق والحرية في كل شيء".
من هنا أصبحت صديقة مدعاة فخرٍ لبنات مدينتها عامةً، ولعائلتها خاصة، بل ويشار إلى اسمها كرمزٍ وطنيٍ هناك على الجميع معرفته، فإذا ما حدثتها الفتيات عن فخرهن بها كمحرك للأحداث في ذلك الوقت، أجباتهن وهي تضحك: "التعليم هو اللي خلق شخصيتي، صحيح أنا أكلت الضربة الأولى بس كله بهون اليوم".
رحلة عطاء
"خذ يابا، هذي ثمرة تعبك معي" انحنت صديقة لوالدها بعمر (21 عامًا) تزاحم وجهها الابتسامات والدموع، وهي تحمل بيديها أول راتبٍ تتقاضاه في حياتها، بعد ثلاثة أشهر من العمل كمعلمة للتربية العسكرية (الفتوة) في مدرسة الزهراء الثانوية بغزة.
قدمت صديقة أول راتب تتقاضاه، لوالدها الذي لم يصمد هو الآخر كثيرًا، فبكى لأنه أيقن أن الحلم الذي عزفا لحنه معًا أصبح حقيقة.
قدمته لوالدها الذي لم يصمد هو الآخر كثيرًا، فبكى لأنه أيقن أن الحلم الذي عزفا لحنه معًا أصبح حقيقة.
كانت المدرسة تبعد عن منزل صديقة في بيت لاهيا مسافة 6 كيلو مترات، وكانت مدرسة الطالبات الثانوية الوحيدة وقتها عام 1964م، هنا كان لا بد من تحدٍ آخر، البحثُ عن طريقةٍ تقرب المسافة، فسكنت مع أخٍ لها يكبرها سنًا وصديق له طيلة عامٍ كامل بيتًا مستأجرًا قريبًا من المدرسة، في حين لجأ والدها خلال العامين الثاني والثالث لها هناك، إلى اللجوء إلى أصدقائه من أصحاب البيوت القريبة لاستضافتها عندهم من السبت إلى الخميس، لتعود إلى بلدتها ليلة الخميس، وتعود إلى هناك آخر نهار الجمعة.. هكذا حتى انتقلت للعمل في مدرسة جباليا النزلة الثانوية للبنات "شمالًا" التي كانت أقرب للمدينة بطبيعة الحال.
لم يشأ الاحتلال لصديقة وغيرها من المعلمات أن يمضين في العمل بتوعية الأجيال وتعليمهم معاني المواطنة والحقوق الإنسانية المشروعة، فتصاعدت ممارساته ضد كل مناحي الحياة الفلسطينية لاسيما التعليم.
لم يشأ الاحتلال لصديقة وغيرها من المعلمات أن يمضين في العمل بتوعية الأجيال وتعليمهم معاني المواطنة والحقوق الإنسانية المشروعة، فتصاعدت ممارساته على كل مناحي الحياة الفلسطينية لاسيما التعليم.
انتقلب موازين صديقة إثر هذه الممارسات، فانتقلت للعمل في مدراس مدينتها، ومن مدرسة بيت لاهيا إلى مدرسة عمر بن الخطاب، وصولاً لمدرسة الشيماء، لتتقاعد من سلك التعليم عام 2002م في عمر السابعة والخمسين، "أي قبل انتهاء عملها بثلاثة أعوام، لتساند رفيق دربها وعملها زوجها الأستاذ محمد طه"، الذي ترك مثلها تمامًا أثرًا لا ينساه أهل المدينة، ومعهما أستاذ الكيمياء لمرحلة الثانوية نضال الشافعي، ودكتور اللغة العربية بالكلية الجامعية صخر الشافعي.
التعليم والمجتمع
"لو خيروني بين كل مهن العالم راح أرجع أختار التعليم" تضيف صدّيقة التي ترى في التعليم "طريق النجاة الوحيد للمجتمعات المحتلة، هو طريق التحرر فكريًا وجغرافيًا كما تؤكد، وتزيد بثقة: "على كل مقتدر أن يكرس زكاة ماله لخدمة هذا النطاق الحياتي المهم (التعليم)، وعلى الدولة أن تسخر كل إمكانياتها لتطوير التعليم ومناهجه وكواده وتوجهاته لدعم المستوى التعليمي والمدارس والطلبة".
واستحضرت صديقة باستياء، مطالباتها قبل أكثر من ثلاثة عقودٍ، بإنشاء مدارس وكليات للتعليم المهني والتقني، لاحتضان رغبة الطلبة الذين لا يتوفقون في التعليم الأكاديمي، وبحسرة ترد على ابنتها رغدة التي قاطعتها قائلة: "هيهم عملوا يما بنوا جامعات ومعاهد وعملوا تخصصات"، فتقول: "فات الأوان، مفروض من زمان قبل ما يترموا الشباب، مش عارفين إيش يعملوا".
تستكمل باقي اقتراحاتها بضرورة تنظيم احتفالات تخريجٍ سنويةٍ، في كل منطقة لتقوية أواصر الترابط بين أبناء المنطقة الواحدة، مستنكرةً فكرة أن يكون الفرد في منطقة "لا يُعرف المتعلمون فيها".
تفتقد صديقة في كِبرها مثاليةَ الماضي مقارنةً بحاضر المجتمع والتعليم والشباب، وتحاول الحفاظ على بقائها في بيتها بين الذكريات الجميلة، على الخروج ومعايشة ما وصفته بـ "انحدار بعض مكنونات المجتمع"
تفتقد صديقة في كِبرها مثاليةَ الماضي مقارنةً بحاضر المجتمع والتعليم والشباب، وتحاول الحفاظ على بقائها في بيتها بين الذكريات الجميلة، على الخروج ومعايشة ما وصفته بـ "انحدار بعض مكنونات المجتمع"، وفي اللحظة التي تقرر فيها الخروج لتحيي ماضيها الجميل مع رفيقاتها في زيارات تفقدية، تأبى ممارسات البعض إلا أن تعكر صفو مزاجها مع كل خطوة خارج مملكتها.
الرضى وحائط الذكريات
توقفت عن الحديث عن مسيرتها، ونظرت نحو حائطٍ تزيَّنَ بشهاداتها المحاطة بالصور التي التقطتها للذكرى على مدار سنين حياتها، وشهادات الثناء والشكر، ولوحات المدح المهداة إليها من قبل شعراء بلدتها الذي كتب لها عند تقاعدها:
"لا تقولي للرفيقات وداعًا كيف ينساك رفيق أو رفيقة؟ *** سوف تبقين كما يبقى الوفا عهدنا دوماً ولن ننسى "صديقة".
تنتقل بعينيها نحو حائطٍ آخر، علقت على جانبه الأيمن شهادة "بروفسوراة" لابنها طه من جامعة أكسفورد، وعلى الجانب الأيسر "شهادة ليسانس" اقتصاد لابنها الثاني مصطفى، وفي الأعلى شهادة آداب لغة إنجليزية لابنتها ماجدة، يجاورها شهادة "ليسانس حقوق" لابنها الأصغر أحمد، وفي الأسفل شهادة بكالوريس تكنولوجيا معلومات لابنتها رغدة، التي تستكمل الآن دراستها الماجستير.
كل تلك الشهادات تلتف حول صورة زوج صديقة كالنجوم التي تحوم في فلك الذكريات الجميلة، تنتهي من التأمل في جدران مكتبتها، وتتسائل: "كم تتوقعون أن هذا الحصاد كلف أصحابه من تضحية وعطاء؟ تجيب نفسها بنفسها: "الحمدلله، أنا راضية عن نفسي، أنني أديت الرسالة تجاه أهلي وتجاه المجتمع، وتجاه زوجي وأبنائي أيضًا".
