غزة:
"خلصت، خلصت بعد 51 يوماً من الموت" جملة تمرّ في ذاكرة حسابي في فيسبوك يوم 26 أغسطس / آب من كلّ عام، سبقها منشورات قاسية كنت قد كتبتها، ما بين "جيش الاحتلال يهاتفنا مجدداً الآن ويطالبنا بإخلاء الحي مع تحديد الشوارع والمربعات السكنية وذكر شارع النزاز وبغداد وأبو الكاس والشعف. الضرب شرق وغرب وين بدنا نروح بحالنا بعرفش!"
وبين "كان يا ما كان، كان في غزة وكان في حياة، كان في أبراج وعمارات، كان في أحياء وناس، البلد بتنهار فينا شوي شوي! 51 يوم تحت الضرب والموت والصواريخ والبراميل المتفجرة".
لا إرادياً أستجيب لشغف التفريغ في الكتابة عن العدوان الإسرائيلي، أو بالأحرى عن "الحرب" وفق المسمّى العام، أو في وصف أدق عن الغول الكبير الذي يتربّص بنا. حقًا إنّها "الحرب" ويا ربّاه ماذا يعني هذا المصطلح لنا! ولكن أي عدوان؟ وأي حرب؟ الذي بدأ في العام 2008؟ أو الذي باغتنا في العام 2012؟ أو ذلك الذي قتل أرواحنا في العام 2014؟ قتلها مرّة ومرتين وثلاثة وعشرة، في مدّة استمرت 51 يوماً، تأثيرها بالطبع لن يزول من هنا حتى 51 عاماً إذا حيينا، أو إذا لم يهاجمنا عدوان جديد في لحظات يمحونا من غزّة التي أصبحت قبرنا مع وقف التنفيذ.
في العام 2008، لا أبالغ بالقول أنّني فعلًا شاهدت الشيطان الرّجيم في صور مروّعة، في أحداث قاتلة، وقاهرة، خُيّل لي في البداية على شكل دخان يتصاعد من هنا ومن هناك. لا، بل إنه غول سيطر على سماء مدينتنا وعلى أرضها وبحرها، أخذ يمطر السّماء فينا بمئات الأطنان من المتفجّرات، الأرض تهتز، ويكأنّه كابوس رفض أن يمنحنا فرصة الصحوة منه! كنت في السنة الدراسية الأولى من الجامعة، وكان السبت الأول الذي أداوم فيه.
اعتقدنا في بادئ الأمر أنّه تفريغ للهواء، فلا داعي للخوف، إلى أن رأينا الدخان يكسو السّماء، صرخات الطالبات والسّعي نحو الهروب إلى أي مكان آمن، أذكر جيدًا بهذه اللحظات كنت إحداهن تصرخ على زميلتها قائلة: "وين نيفين؟ معها الساندويشات. بدنا الساندويشات" كانت تبكي وتصرخ هكذا، وتهرول أيضًا.
أمن الجامعة يصرخ بيننا "ابتعدوا عن المقرّات الأمنية، اللي عندها قرايب ساكنة قريب من الجامعة تروح عندهم".
إلى الشّارع العام، سيارات الخضروات والفواكه تحمل الجثث، سيارات الإسعاف تناجي الله كي تصل لانتزاع الجرحى من الغول الذي أوقع جلّ وحشيته عليه، أطفال يصرخون بعلو أصواتهم "بابااااا" كانوا تائهين. تجمّدت أطرافي من شدّة الهلع، ابنة عمي وجدت سيارة تقلّنا إلى شرق المدينة أخيرًا، إلى الشجاعيّة تحديدًا. كانت فرص الاتصال ببعضنا البعض قد قطعت، وجدتها صدفةً، وصلنا البيت، بمعجزة. جدّتي تبكي، وأمي كذلك. اخواتي يفكّرون بأصدقائهم، وبأساتذتهم، هذا من جنوب القطاع وذاك من الشمال هل وصلوا بسلام؟
بذات الليلة، أجبرت عمتي وعائلتها على النزوح إلينا من أقصى شرق الحي بعد تحذير باستهداف المسجد المقابل لمنزلهم. لا كهرباء، ولا ماء. فقط "لمبة الجاز" وبعض الشمع. الانفجارات تصدح، وتهتز الأرض فينا. وأنا أفكّر ماذا بعد الموت؟ يا رب لا توجع أحدنا. جميعنا يحيا أو جميعنا يموت. حيينا إلى حرب أخرى، وأخرى بعدها. وما بعد بعدها كانت مرعبة، قاسية، وموجعة موجعة.
وكيف لشريط الذكريات أن يتجاوز عدوان 2014؟ عام مجزرة الشجاعية ومجزرة خزاعة ومجزرة رفح، يا الله! إنه عام الموت والفصل بين "الحياة" بمفهوكم، أنتم البعيدون، و"الحياة" بمفهومنا نحن.
يوم الثالث عشر من العدوان تحديداً، ليلة مجزرة الشجاعية ويوم الإجبار على النزوح، عند مخرج الحيّ أدركنا هول المذبحة، فالطّرقات تشهد ما لم يشهده القطاع من قبل. تهجير قسري. ألبسة الصّلاة تكسو أجساد نساء وفتيات، أطفال حفاة، رجال، وكهول، امتلأت بهم الطرقات، كلّ الطرقات، مهرولين، بكلّ ما تبقّى لديهم من طاقة للهرب بعدما أدركوا جنون الإسرائيلي وهوسه بدمائهم.
عائلتي تحديداً، لم تكن تعلم إلى أين ستتّجه في حال غادرنا المنزل، بل كنا نشك في إمكانية الوصول إلى مشارف الحي بسلام، ضربات القذائف والصواريخ كانت تتساقط كالأمطار الغزيرة لدرجة أنّنا لم نعد قادرين على حصي أعدادها خلال الدقيقة الواحدة.
"إلى حيث تأخذنا أرجلنا"، "إلى المجهول"، "إلى المنطقة الأقلّ دمويّة" كنّا نردّد. وأخيراً: إلى بيت جدّي الكائن في وسط المدينة، قرّرنا اللجوء إلى أن وصلنا بسلام. رحتُ ألهج بالبكاء، بعدما أوقنت أن الموت ضلّ طريقه إلينا.
ها هو منزل جدّي وقد نزح إليه حوالي 150 شخص معظمهم من سكّان الحيّ المنكوب، احتضنتنا جدرانه وجلّنا يُعاني من صدمة تكاد ترميه أرضاً من عنفها، كما نجاتنا التي كانت بمثابة حلم قبل بضع سويعات من وصولنا إلى هذا الملجأ. صخب أصوات القذائف والصّواريخ لا يزال يلاحقنا.
أسفل الدّرج اتخذت هذه البقعة من أرض المنزل مأوى لي وعائلتي طيلة فترة النّزوح، فهذا كلّ ما استطعنا انتزاعه من شدّة ازدحام المنزل بالنّازحين. آنذاك، كان القهر قد بلغ إلى منتهاه، أدركنا أنّ الزمن قد تجمّد عند اللحظة التي خرجنا بها من منزلنا.
باتت ليالينا كأيّامنا، جحيم اتخذته إسرائيل مساراً في استهدافها العشوائي، لا تُميّز بين مدني وعسكري، فالجميع هنا مستهدف، حتّى بعد وصولنا إلى وسط المدينة، فإن مسرح العمليّات الإجراميّة قد وُسّع شيئاً فشيء. عدا عن ذلك، قلّة الطعام والشراب، لا ماء، لا كهرباء، ولا أمان، أمام أعين العالم ولا يوجد من يقف بوجه النّازي الاسرائيلي.
كان قد مضى على المجزرة ما يقارب الأسبوعين من الزمن، حين أعلنت "إسرائيل" عن تهدئة "إنسانيّة" لستّ ساعات فقط، خلالها لم نتردّد في الذهاب لتفقّد المنزل. حيث الطرقات تمتلئ بالنّازحين من جديد بطريقة عكسيّة، فالكلّ اتّجه إلى الشجاعيّة لتفقّد منزله.
مشاهد هشّمت كلّ ما تبقّى مني حال وصولنا. اكتشفت للمرّة الأولى مدلولات الحرب الوحشيّة، مدلولات نازي أبى أن يرحم مدنيّين قد احتموا بمنازلهم. فسيّارات الإسعاف تنقل الشّهداء ومنهم من تحلّل جسده. صدى أصوات المسعفين لا يزال ينهش أذناي كلّما تذكّرت. "هل يوجد أحد هنا؟" "هل من أحد لا يزال على قيد الحياة؟" كانوا يصرخون بحثاً عن ناجين لم يستطيعوا الهرب.
استنشقنا رائحة الموت، رائحة البارود، ورائحة العفن تخرج من منازل هجرها ساكنيها بحثاً عن الأمان، ذلك الأمان المفقود في جميع أرجاء المدينة. ستّ ساعات لم تكن كفيلة إلا لإنهاك أرواحنا أكثر فأكثر، انتهت بعودتنا إلى حيث لجأنا ليتكرّر هذا المشهد بنا مع كل إعلان عن "تهدئة إنسانيّة" ولا أدري أي إنسانية التي تزعمها إسرائيل!
تفاصيل التفاصيل باتت تقتلنا، يكاد لا يمرّ يوم واحد إلا ونستذكر به كيف كنّا في هذه الغرفة، وتلك. من استقبلنا في منزلنا، وإلى أين اضطررنا أن ننزح خلال الحرب. هذه الضربة، وتلك الشظية التي اخترقت جدران المنزل وكادت أن تقتل أحدنا! وبعد هذا، نفكّر بالأعظم، الحرب الرّابعة قادمة لا محال، علينا أن نفكّر بمكان للنزوح إليه خلالها، وإنّنا إذ تدنو أيّامنا المسرعات من غايتها، في الحياة والموت، فكلّ ما نرجوه أرواحًا طليقة وشجاعة كي نحتمل.
