غزة:
"يوم كسرت كاميرتي في عدوان 2014، وقعت بين نار الاستسلام أو الاستمرار، إلا أنني أصريت على الخيار الثاني بأبسط الإمكانات" كلمات جاءت على لسان المصورة الصحفية سمر أبو العوف، تزامناً مع اليوم العالمي للمصورين والذي يصادف التاسع عشر من أغسطس / آب من كل عام.
تقول سمر التي تعمل كمصوّرة منذ تسع سنوات إنه في خضم العدوان، بينما كانت تركض خلف توثيق الجرائم عبر كاميرتها التي كسرت إثر حادث في الميدان، حاولت تدبير نفسها من خلال التناوب على 9 كاميرات من الشمال إلى الجنوب، وحتى بعدسات فوكس سيئة جداً، كانت تستعيرها جميعاً من زملاء لتتمكن من العمل في ظل عدم توقف العدوان على غزة ولا دقيقة واحدة.
وتضيف: "يذكّرني يوم المصورين بمواقف مريرة في رحلة عملنا؛ لعلّ أصعبها التقاط صور لزملاء استشهدوا في العدوان وعلى حدود غزّة مثل رامي ريان وياسر مرتجى وغيرهم من المصابين"، بالطبع ليس أهون من الصعيد العام حين نوثّق لحظات الوداع بين الأهالي وجثامين شهداءهم، فأضعف الإيمان لحظتها هو نقل الصورة للعالم.
الميدان لا يخلو من المواقف الطريفة أيضاً، سمر مثلاً لجأت ذات يوم إلى ارتداء "طنجرة" على رأسها، وكيس من النايلون على جسدها، تعبيراً عن احتجاجها على عدم امتلاكها خوذة ودرع يقيها من الرصاص المتربّص بالفلسطينيين على الحدود، مواطنين ومواطنات، صحافيين وصحافيات، لأنها تعمل "فريلانسر" ولم تكن تمتلك أدوات السلامة المهنية.
"كان المشهد غريباً بالنسبة للناس في الميدان" تقول المصوّرة وتضيف: "انهالت علي التعليقات من الصغير والكبير، يسألوني ماذا تطبخين اليوم بهذه الأدوات؟ مفتول أم مقلوبة؟ وسط ضحكات ودهشة منهم، إلا أنني كنت أرد بابتسامة ثمّ أتابع عملي".
في الرابع عشر من ديسمبر / كانون الأوّل للعام 2018، أصيب المصور الصحفي عطية درويش 31 عاماً، بقنبلة غاز في وجهه خلال تغطيته لأحداث فعاليات مسيرة العودة التي حملت شعار (المقاومة حق مشروع)، شرق مدينة غزة.
"كانت الإصابات والجثامين تتناثر بجانبنا"، ليست من مشاهد عادية وإن كانت غزّة بيئة خصبة بالأحداث، مشاهد الموت لن يتعايش معها الفلسطينيين المنكوبين منذ أكثر من سبعين عاماً، يقول عطية الذي يعمل منذ العام 2008، حيث بدأ بتغطية العدوانات الإسرائيلية الأشد قسوة على قطاع غزّة.
في يوم المصورين العالمي، ماذا تتذكر عطية؟ سؤال وجّهناه للمصور الذي تحدّث عن مأساة إصابته الشخصية في وجهه قبل أشهر، حيث ضربت القنبلة وجهه وجزء من عينه إذ يبلغ مستوى الرؤية فيها اليوم 10% فقط، ما يؤثر على عمله ويجعل تركيزه في عين واحدة، عدا عن ملامح وجهه التي تغيرت بفعل الإصابة – وفق إفادته -.
ومن أطرف المواقف التي مرت عليه في مرة أصابه الاحتلال بقنبلة غاز في قدمه، أن أتى إليه زملاؤه في الميدان يمازحونه ويسألون ماذا حدث في القنبلة يا عطية؟ غير منشوراتهم الساخرة أن "البرج الصحفي الكبير عطية درويش سقط أرضاً بسبب الغاز، ورغم ذلك لن تسقط الفعاليات، فبعد عطية يولد ألف عطية".
"تصوير جنازات الشهداء هو أصعب ما يمرّ أمام المصورين والمصورات" هكذا ربطت المصورة الصحفية مريم أبو دقة 27 عاماً بين مناسبة التصوير العالمي، وعمل التصوير في فلسطين المحتلّة وتحديداً قطاع غزّة.

تعمل مريم مصورة "فريلانسر" للعديد من المواقع العربية والمحلية منذ العام 2016، تقول إنها تستصعب في كلّ مرة تلتقط صور الجنازات لحظات الوداع، كونها مرّت بالتجربة مع شقيقها محمّد الذي أذاعت أيضاً خبر استشهاده في مسيرات العودة، العام الماضي، بشكل عفوي على الهواء مباشرة، إلى أن أدركت أنه اسمه حتى سقطت أرضاً.
وتعاني المصورة من ضعف الحماية لها ولزملائها العاملين في القطعة بالميدان، وحتى الذين يتبعون لمؤسسات محلية ولا يمتلكون أدوات السلامة المهنية، وهذا ما أجبرها على اللجوء إلى أحد الخياطين لحياكة "جاكيت" يشبع السترة الواقية من الرصاص، مكتوب عليه PRESS بالخط العريض لمحاولة تمييز نفسها أمام رصاص القناص الإسرائيلي.
وتبلغ تكلفة :"جاكيت الصحافة" الذي تعتبره الصحافية بطاقة تعريفية لها 90 شيكلًا / 24 دولارًا، مكوّن من قطع اسفنجية لا تحمي من الرصاص الذي يقصد الصحافيين حتى لو عرّفوا أنفسهم، حيث استشهد الصحافيين ياسر مرتجى وأحمد أبو حسينا وهما يرتدان دروعهما.
وبالنسبة إلى الخوذة، حاولت الاحتماء بأحد الخوذ التي يستخدمها أفراد الدفاع المدني، إلا أنها ضايقتها ما أجبرها على تركها واكتفت بالكمامات الطبية التي يوزعها المسعفين بالمنطقة، محاولة قدر الإمكان الابتعاد عن السلك الفاصل بين غزة والاحتلال بمسافة لا تقل عن 300 متر.
وتؤكّد مريم أن إسرائيل تتعمد استهداف الصحافيين من خلال شهادتها في الميدان حيث أصيب الشهيد الصحافي ياسر مرتجى أمام عينها، بينما كان يرتدي سترة واقية إلا أن الاحتلال أصابه من منطقة الجنب التي لا يغطيها الدرع، ومع ذلك فهي ترى أن معدات السلامة ضرورية ويمكن أن تحمي بشكل نسبي، كما أنها لن تعطي الاحتلال مبررًا أنه لم يكن يميز الصحافيين طالما التزموا بها.
وبحسب مركز غزة لحرية الإعلام؛ فمنذ العام 2000 استشهد 48 صحفياً فلسطينياً وأجنبياً من جنسيات مختلفة برصاص وقذائف الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة، منهم صحفيان سقطا في غزة خلال العام الماضي وهما المصورين ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين، أثناء تغطيتهما أحداث مسيرات العودة، كما أصيب مئات الصحافيين والصحافيات صحفياً بالرصاص وقنابل الغاز في الضفة الغربية وغزة، بالإضافة إلى اعتقال عشرات المعتقلين منهم في سجون الاحتلال.
