الحاج أبو ماهر جحجوح يرسم خارطة العودة إلى قرية الجورة
تاريخ النشر : 2019-06-25 19:45

غزة:

يشير الحاج محمود جحجوح "أبو ماهر 86 عاماً" بإصبعه إلى جانب من خريطة ضخمة وضعها أمامه حيث يقع مكان بيته في قرية الجورة التي هاجر منها عام 1948 إذ احتلت خلاله العصابات الإسرائيلية غالبية فلسطين فيما بات يُعرف لاحقاً بعام النكبة.

الحاج جحجوح وبعد أكثر من 71 عاماً على النكبة يصرّ على أن العودة حق وأن الخريطة التي رسمها قبل عشرين عاماً بيده يوضّح فيها كل تفاصيل قريته وبيوتها مسمّاة بأسماء أصحابها، هي ما سيتركه لأبنائه الأربعة وأحفاده العشرين ولجيرانه وأبناء بلده من سكان قرية الجورة.

في بيته الواقع بمخيم الشاطئ غربي مدينة غزة يحكي أبو ماهر قصة النكبة التي حلّت حين كان يبلغ الخامسة عشر من العمر :"كنا نشتغل في النول بمدينة المجدل وكان أبي وأخي يشتغلوا صيادين، الجورة كانت مشهورة بالصيد، كنا نروح مدينة يافا نشتري قماش والحياة هادئة في قريتنا، وجميلة صاخبة في المدن".

كانت مدينة يافا عروس البحر المتوسط يسكنها الفلسطينيون بالكامل، بينما سكنت بعض الجماعات اليهودية جنوب المدينة حيث كانت تُعرف بـ"تل أبيب" قبل أن تتحول إلى مدينة، حسب الحاج جحجوج يفصل بين تل أبيب ويافا شارع اسمه المنشية وكان بينهما مركز شرطة للجيش الانجليزي يطلقون عليه اسم "السائدية"، العلاقات مع اليهود كانت جيدة ولا تشهد أي خلافات حتى بداية العام 1948م.

لكن انفجاراً بالألغام وقع في مركز الشرطة الانجليزي قُتل فيه نحو عشرة من العناصر الفلسطينيين والبريطانيين، وتبادل اليهود والفلسطينيون الاتهامات حول من قام بالتفجير، إلا أن سلطات الانتداب البريطاني اعتقلت عدداً كبيراً من الطرفين، ما تسبب بحدوث اشتباكات مسلّحة مستمرة في مدينة يافا، كانت الغلبة فيها بشكل مستمر لمن يملكون السلاح الأقوى والأكثر وهم اليهود الذين منحهم البريطانيون السلاح.

وفقاً للحاج جحجوج والذي كان يزور يافا آنذاك فإن المدينة الساحلية الجميلة الراقية تعرضت بشكل شرس لإطلاق النار العشوائي والقصف بالمدفعية وقُتل الناس بشكل كبير في البيوت والشوارع، وارتكبت الجماعات اليهودية جرائم بحق الفلسطينيين تسببت في هروب الكثير من الناس بالمراكب عبر البحر أو إلى البلدات المجاورة حيث لجأ عدد كبير منهم إلى قرية الجورة.

حتى قبل النكبة كان الإنجليز يتواجدون في معسكرات يسميها المواطنون الفلسطينيون "كوبنيات"، وهم من منحوا اليهود السلاح لقتل الشعب الفلسطيني، وقبل مغادرتهم فلسطين سلّموا أسلحتهم لليهود، وعقب احتلال يافا وهجرة اليافاويين بدأ اليهود ارتكاب المجازر في أماكن أخرى، إذ تم قصف قرية الجورة بالمدفعية.

يقول الحاج جحجوج:" عائلة خالي – أهل زوجتي حالياً- كان عندهم قهوة، وكان يقيم في بيتهم عائلة يافاوية من آل المغربي، ولما الطيارة ضربت بيتهم، استشهدت زوجة الرجل وأبناؤه، لكن الرجل نفسه كان هو وابنه على القهوة ورجع على صوت القصف، وصار يصرخ ويغمى عليه وأهل القرية يصحوه، عائلة خالي تصابوا، زوجتي حالياً طلعناها من تحت الردم كانت متصاوبة، أختها تصاوبت بعينها، بيتهم كله تدمر".

كانت هذه واحدة من الضربات التي ما زال يذكرها أبو ماهر، لكن ومع كثافة الجرائم، اضطر الناس لترك البلدة والهجرة جنوباً باتجاه غزة، ولما كان هو يعمل في الصيد منذ صغره ويعرف الطريق إلى غزة جيداً، حيث كانت تربطهم علاقة جيدة بعائلة أبو مدين، هاجر مع عائلته إليهم، ويذكر كيف تعرض الناس للخطر والقصف حيث هاجروا عن طريق الساحل، وكانت طرادات الاحتلال الإسرائيلي متواجدة تقصف مواقع الجيش المصري بشكل مستمر، ولكن استشهد عشرات الناس أثناء الهجرة.

يضيف جحجوح :"لما وصلنا غزة عاش الناس في مخيمات، عائلتي وشوية عائلات من الجورة قعدنا حوالي أربع سنوات في أرض أبو مدين، بعدين طلعنا ع المخيمات وبدأت حكايتنا مع اللجوء ومطالبتنا بحق العودة".

هنا بدأت حكاية اللجوء وعرف الناس أنه لا ملجأ لهم سوى استمرار المطالبة بحقوقهم، وأدركوا الجريمة التاريخية التي ارتكبها المجتمع الدولي بحقهم، لم يكن عامة الناس يعرفوا شيئاً عن وعد بلفور كما يؤكد، فربما عرفه المثقفون، ولكن بعد النكبة تم الحديث عنه علناً.

الحاج جحجوح يعيش حالياً في بيت راقٍ مكوّن من أربع طوابق، إذ عمل تاجر ساعات منذ شبابه، ومن ثم كان لأبنائه الأربعة مهن مدرّة للدخل، ما جعل المستوى الاقتصادي للعائلة مرتفع، لكنه ما زال يؤكد :" مهما ملكنا دونمات وبيوت في أي مكان،، إلا نرجع الجورة حتى لو ما ملكنا فيها إلا بيوتنا وبس".

وعاد الحاج يشير بإصبعه إلى الخريطة ويقول :"كل مكان في قرية الجورة كان يسكنه ناس تركوا بيوتهم على أمل يرجعوا، هنا كانت دارنا ودور باقي العائلة حولينا، كانت بيوتنا من الطين والقش والتبن، وقبل كل شتوية نرجع نمكّن بناها من جديد، بس كانت مريحة وحلوة، في محيط القرية كان في كروم عنب، مش ناسي ولا شي منها".

على اللوحة التي رسمها الحاج تظهر تفاصيل كل الشوارع حتى الصغيرة منها، وبأسماء العائلات، ولما كبر أحفاده حيث يعمل اثنين منهم كمهندسين، أعادوا رسم خريطة جدهم كما هي بالضبط ولكن هذه المرة باستخدام برامج الكمبيوتر يظهر فيها كل التفاصيل بشكل دقيق.

لمحة مرارة ارتسمت على محيّاه قطعها بضحة ساخرة وهي يستذكر :"في الحرب العالمية الثانية قبل النكبة بثلاث سنوات، كانت القرية كلها فيها راديو واحد، وكنا نسمع الأخبار منه، كان الناس يحبوا يسمعوا الأخبار من إذاعة برلين لأنها سريعة، لكن الإنجليز كانوا يمنعوا الناس ويجبروهم يسمعوا إذاعة لندن ويهددوا اللي بفتح إذاعة برلين إن رح يقفلوا القهوة"، وعاد يضحك قائلاً:"كنا بس تمرّ الدورية نغيّر إذاعة لندن ونرجع نفتح إذاعة برلين، وكنت أوقف قدام قهوة خالي أراقب الطريق".

حسب الحاج كان الناس يرددون مقولة "عليك بالانجليز إذا أبحر وبالروسي إذا غبّر والألماني إذا طيّر"، وفي التوضيح يقول إن الجيش البريطاني اشتهر بقوته البحرية والجيش الروسي بقوة جيوشه على الأرض والألمان بقوتهم في مجال الطيران والاستهداف الجوي، لكنه لا يعلم حالياً أيهم الأقوى في هذه المجالات.

ومع كل مرارة ما تحمله ذكريات نكبة لن تُمحى أبداً من ذاكرة الحاج أبو ماهر، يؤكد إن الشعب الفلسطيني أسقط منذ ذلك الحين كل المؤامرات التي حاولت شطب حق العودة أو غيره من الحقوق، ورغم كل بؤس الواقع الذي نعيشه وانطلاق ورشة المنامة التي تستهدف تحويل القضية الفلسطينية إلى مشكلة اقتصادية، يؤمن الحاج جحجوح إنها وغيرها إلى زوال فالأجيال هي من تحفظ القضية، وستموت كما ماتت غيرها من المؤامرات.