قلعة برقوق.. شاهدة على الإهمال عبر العصور
تاريخ النشر : 2019-02-19 10:01

قطاع غزة:

يمسك بيد طفله الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره ويشير بيديه الى رسومات وكلمات كتبت بخطوط عربية على سور القلعة الخارجي قبل أن يدخلا معاً الى القلعة دون أن يعترضهم أحد أو يقدم لهم معلومة تتعلق بتاريخ هذا المعلم الأثري الذي بقي شاهداً على كل الحقب التاريخية التي مرت بـفلسطين، حاول الأب ان يقدم شرحاً بسيطاً لابنه وفق ما تتوفر له من معلومات استقاها من كتب التاريخ أو أحاديث الكبار.

يقول المواطن ابراهيم الشاعر الذي التقته نوى صدفة يتجول داخل قلعة خانيونس " كنا في السوق وحينما رأى سور القلعة ومئذنتها طلب مني الاقتراب والتعرف عليها".

محمد الطفل الصغير لا يعرف شيئا عن قلعة خانيونس، كان يظن بداخلها مباني مماثلة كما يشاهد في المسلسلات التاريخية.

إهمال واضح

والد الطفل الذي ابدى استياؤه من الاهمال الشديد تجاه قلعة خانيونس، قال " هذا المكان يجب ان يكون محاطاً بمقاعد للزوار وموظف مختص يحدث الزوار عن المكان وقيمته التاريخية"

الأمر نفسه ويزيد تعاني منه المواطنة مها العقاد التي تسكن في أحد المنازل المشيدة داخل القلعة، تقول العقاد "عندما تزوجت وسكنت داخل القلعة، كنت أشعر أنني مميزة وأن الحياة بجانب معلم أثري شيء تتمناه الكثيرات، وتتذكر العقاد قبل سنوات حينما شيد منتزه يطل على القلعة وكانت تتجمع الأسر في ساعات المساء باعتبارها تقع في وسط المدينة ويرتاده الناس بكل الأطياف، يستمتعون بالأشجار والجلسة الهادئة ويمتعون نظرهم ويستمدون من القلعة الصمود والتحدي.

تضيف "لكن اليوم يحيط بسور القلعة البسطات التجارية والكراج وأصبح المكان مقراً للمشادات  والمشاجرات اليومية التي لا تتوقف"، وتتمنى العقاد أن يتم إعادة النظر من قبل البلدية وتخصيص المساحة الأمامية للقلعة كما كانت في السابق منتزه  يعيد للقلعة رونقها.

عبق التاريخ

الشيخ مازن الأغا الذي رافق نوى في جولتها داخل سور قلعة برقوق، يحفظ كل شيء عن القلعة ومحتوياتها وتاريخها، اعتاد أن يتحدث لزوارها من الصحفيين والباحثين عن عبق التاريخ الذي يبدو جلياً في المكان رغم الاهمال الواضح من الجهات المسؤولة.

يقول بشيء من الحزن على ما آل اليه الحال في القلعة "لم يتبقى من القلعة الا اسمها، تم بناؤها لاستراحة التجار "نزل او خان" ولم تكن بمعنى حامية، هي بمثابة فندق لكي يأمنوا على أنفسهم في التنقل من والى بلاد  الشام، بنيت لتأمين التجار والحجاج والمسافرين، والبريد وغيره، باعتبارها آخر منطقة في المناطق الآمنة قبل إكمال مسيرته نحو سيناء، ويصف الأغا القلعة كشخص عايش بنائها، فقد قرأ كل ما كتب حول قلعة برقوق وحفظه عن ظهر قلب "لم تكن  القلعة مجرد سور كما هو عليه الحال اليوم، كانت تتكون من 16 دونم، يحيط بها سور من أربعة جهاتـ، مربعة الشكل، كل ضلع  طوله80 متر، لم يتبقى منه الا الواجهة الاساسية، وفي داخل القلعة  يواصل الشيخ مازن "كانت توجد غرف سفلية لتخزين الطعام والشراب ومناماً للخيول، وغرف علوية لمبيت المسافرين، تحيط بالسور من كل الجهات، وباقي المساحة كانت عبارة عن بهو او فناء متدرج وسطه بئر ماء".

وبجانب السور الأمامي ومدخل القلعة كان يوجد مسجد لا زال جزء منه موجود حتى اليوم بعد أن تعرضت أجزاء من قبته للهدم.

ويشرح الأغا "المسجد جزء أساسي من القلعة ويقع على يسار البوابة الرئيسية ويتكون من طابقين، بينما تقع مئذنة المسجد على يمين البوابة الرئيسية بدرج يؤدي إليها وهي على نفس مستوى الجدار ذي الفتحات والواقع على سطح القلعة والذي يحتوي على فتحات لإطلاق القذائف، كما يوجد أعلى المدخل تماما فتحة لصب الزيت المغلي على من يريد اقتحام القلعة كأحد أشكال صد الهجمات في ذاك العصر".

رغم أن كل البيوت داخل القلعة حديثة الإنشاء إلا أن منزلاً واحداً قديماً لا زال محتفظاً بأحجاره القديمة صامداً حتى اليوم دون أن تمتد له يد الهدم، أُغلقت أبوابه وبقي شاهداً على التاريخ والحضارة التي حظيت بها خانيونس منذ ما يزيد عن 700 عام.

وقد سكنت عائلات خانيونس الحالية القلعة وما حولها ولذا يطلق على سكان المدينة الأصليين "قلاعيين" نسبة الى قلعة برقوق.

ويعتقد الأغا أن العائلات التي تسكن القلعة لن تمانع بتركها في حال كان هذا من أجل إعادة ترميم القلعة واستعادة مكانتها كمعلم تاريخي وأثري تتميز به مدينة خانيونس، ولكن الأمر بحاجة لدراسة الجهات المعنية لتعمل على تعويض السكان وفق ما تستحق.

السياحة تبرر

ويعترف د. جمال أبو ريدة مدير عام السياحة والأثار في غزة بأن حال القلعة الحالي وما يحيطه من بسطات تجارية يشوه الصورة الجمالية للقلعة، لافتاً ان البطالة المستشرية وقفت عائقاً امام الوزارة لإزالة هذه التعديات، ويبرر أبو ريدة الاهمال الذي تعاني منه القلعة بظروف الحصار الخانقة التي يمر بها قطاع غزة، وعدم توفر موازنات كافية للوزارة للقيام بدورها في صيانة وترميم المواقع الاثرية، لافتاً ان الأمر مرهون بتوفير تمويل خارجي.

وذكر ابو ريدة ان الوزارة تزور وتتابع المواقع الاثرية، من خلال جولة شهرية للاطلاع على ظروف كل موقع من المواقع، يشارك فيها بعض الأوقات ممثل اليونسكو في فلسطين للاطلاع على الوضع الانشائي لكل موقع من المواقع، وقال " حاولنا سابقا بالتوافق مع بلدية خانيونس العمل على المحافظة على القلعة باعتبارها المعلم الاثري الوحيد في خانيونس، ولكن حتى ظروف البلدية لم تكن أحسن حالاً من الوزارة، فمعظم المؤسسات لا تمتلك الموازنة المطلوبة للترميم".

ورغم ما أتت به عوامل الإهمال عبر مئات السنين إلا أن ما تبقى من جدار أمامي شامخ تعلوه النقوش بين أسدين شاهدة على عظمة الفن المعماري على مر العصور.