شلل يصيب سوق الذهب في غزة
تاريخ النشر : 2019-02-17 07:19
صورة أرشيفية

غزة:

من الغريب أن تنطمس حرفة تجارية عريقة موروثة عن الأجداد، أيعقل أن يصدق أحد ذلك؟ هذا هو الحال في أوساط سوق الذهب التاريخي وسط مدينة غزة، والذي كان يعج بالزوار بين الحين والآخر دون توقف ولكن المؤسف بأنه بات ينتظر زائرا يزوره.

واقع أليم يخيم على القطاع التجاري للذهب بالتزامن مع الأزمات الاقتصادية التي تسيطر على اقتصاد غزة، لتسرد الحاجة ذات الستين عاما سميحة أحمد، قصة حياتها مع الذهب الذي كان يعد ثروتها التي تعتمد عليها في أمور حياتها، "قضيت حياتي وأنا أخصص مبلغ من المال نهاية كل شهر، وأذهب به إلى سوق الذهب في البلدة القديمة أنا وزوجي لشراء مصاغ ذهبي من العيار الثقيل".

وتضيف والحسرة لم تفارق ملامح وجهها "لم يبقى الحال كما كان فمنذ إغلاق المعابر وتوقف زوجي عن العمل داخل الأراضي المحتلة، ضاقت بنا الحياة يوما بعد يوم ليكن الذهب الثمين الذي كان بمثابة كنز احتفظ به أصبح يوما ما مصدر فرج وخير لي لإنشاء مشروع صغير للعائلة يعمل به زوجي، وقمت بتعليم أبنائي الأربعة في الجماعات".

وبتأمل المشهد الاقتصادي القائم أوساط المجتمع الغزي، فلا يغفل على أحد مقدار الانهيار الاقتصادي الذي يتعايشه أهالي القطاع، مما يجعل المشهد لا يقتصر على السيدة سميحة، بل حال معظم النساء اللواتي تحدين الفقر والظروف الصعبة في قطاع غزة، وكان للذهب الأفضل في انقاذ حياتهم، ولكن ماذا بعد ذلك في ظل الأوضاع المعيشية القاسية التي لم تفرق بين أبيض وأسود وإمرأة ورجل وطفل وشيخ.

سمير سلمان، صاحب أحد متاجر صياغة الذهب شمال غزة يقول: "أن سوق الذهب يعيش أسوأ مراحله منذ آلاف السنين، السبب في هجرة الناس له هو الانقسام في المقام الأول والاحتلال في المقام الثاني، حيث أثر الاثنين بتدمير الأوضاع الاقتصادية في القطاع وبالتالي انعكس سلبا على سوق الذهب".

ويتابع سلمان هناك فترتان انتعش سوق الذهب خلالهما الأولى أواخر التسعينات وهي فترة مجيء السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، والثانية منذ العام (2011 _ 2013) قديما كانت أكثر فئة تقتني الذهب هم العمال داخل الأراضي المحتلة، والمدرسين وأصحاب الأراضي أما في الوقت الحالي فاقتصر بيع الذهب على موظفي الأونروا و بعض العرائس ولكن بنسب قليلة.

ويكمل: "بتنا نصنع مصاغ العرائس لتكون عياراتها خفيفة وليست ثقيلة كما في الماضي، وبعض العائلات تشتري لعرائسهم مصاغ من الذهب الصيني للزينة فقط؛ وذلك بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، في الماضي كان يتركز معظم البيع في محال صياغة الذهب للمناسبات والأفراح يتم حوالي 5000 عرس في العام، أما الآن فلا تتعدى المناسبات أكثر من (1000) فرح وعرساً سنوياً".

 ويضيف سلمان أن هناك حوالي عشرون مشغلا لتصنيع الذهب في قطاع غزة، منها أربعة مشاغل مازالت تنتج مشغولات ذهبية ولكن بعيارات خفيفة حسب الطلب، والوضع الاقتصادي السيء، غير أن باقي المشاغل أغلقت، من أصحابها ما سجن على ذمم مالية ومنهم من توجه للعمل في حرف وصناعات أخرى تساعده على توفير قوت يومه، أما من تبقى صامداً إلى الآن فتحيطه الديون ويزداد الوضع الاقتصادي سوءا إلا إذا هلت علينا الانفراجات والحلول

ويرى "محمود عطوه" رئيس نقابة تجار الذهب في غزة: "أن سعر أونصة الذهب العالمية يتأثر بالوضع السياسي والوضع الاقتصادي السيء في قطاع غزة جميعها تنعكس سلبا على أصحاب ورش ومتاجر الذهب، تتعلق بتذبذب الرواتب أدت إلى انهيار ملحوظ في صياغة وتجارة الذهب"، ولكنها وجدت إقبالا من منحى آخر، حيث يتوافد الناس لبيع مصاغ نسائهم بسبب الوضع المعيشي الصعب، ويتابع "عطوه" بلغ تداول المصاغ في قطاع غزة 20% نسبة المبيعات الى 5% مشتريات حيث قاربت نسبة الشراء على الصفر.

وبحسب وزارة الاقتصاد المحلي بلغت كمية الذهب المدموغة للعام (2018م) قيمة 021,810  جرام، وفي العام (2017) شهدت فلسطين دمغ (9.7 طنا) من الذهب، مبينة أن الأعوام الماضية ليست الأعلى خلال السنوات العشرين الماضية في دمغ الذهب، وتشير أرقام المديرية إلى أن العام (2000) سجل أعلى كمية دمغ ذهب خلال السنوات العشرين الماضية، بأكثر من (15.5 طنا)، وفي العام (2011) كانت أقل السنوات دمغا للذهب بـ (3.5 أطنان) فقط.

يقول المحلل الاقتصادي معين رجب: "إن سوق الذهب له خصوصيه ويتأثر بالأوضاع السائدة في القطاع والقدرة النقدية للمقبلين على الزواج، حيث يؤثر ذلك على الظروف المادية التي يمر بها القطاع مما يقلل فرص الشباب من الإقبال على الزواج، فبالتالي يقل الطلب على المصاغ من سوق الذهب؛ لأن احد طقوس الزواج الأساسية هي شراء "الشبكة" والمصاغ الذهبي للعروس، تراجع عمل مصانع صياغة الذهب؛ بسبب قلة الإقبال على سوق الذهب مجموعة من العوامل تؤدي إلى حالة من الركود في سوق الذهب، وهذا مرهون بتغير الوضع السياسي فبالتالي حدوث انفراجة تحل كل المشاكل الاقتصادية وينعكس إيجابا على سوق الذهب.