غزة:
منذ عام 1992 انطلق "حاتم" بموهبته الفريدة التي أحبها وكان لم يتجاوز الـسبعة عشر ربيعًا، تعلّم فن الكوافير بأحد الصالونات الخاصة بالرجال واحترف المهنة، ثم انتقل للعمل في صالون للرجال والنساء بعد أن حصل على شهادة من مركز المأمون بسوريا حيث يعيش.
وإلى أن جاء إلى قطاع غزة كانت مهنة حاتم بخير حتى دخل هذه البقعة الجغرافية المحافظة، هذا على الصعيد الاقتصادي والعائد المادي وحتى زبائن المراكز التي عمل فيها، إلا أنه تعرض سابقًا لضغوطات وانتقادات على مهنته التي تكاد تكون حكرًا على النساء بغزة.
عصر المهنة الذهبي
يتحدث حاتم الغول عن مزاولته مهنة الكوافير بعد عودته لغزة عام 1995: "كنت قد أتقنت المهنة وأحببتها، عملت في صالون –دي بايس- في منطقة السرايا لصاحبه فؤاد أبو عيشة ومنه تخرّج الكثير من الرجال والنساء، وعملت أيضًا في مركز فلسطين وكان فيه الكثير من الأسرى المحررين الذين كانوا يزاولون هذه المهنة منهم الخطيب وفراونة".
يستطرد "هذه المهنة في بلاد الشام وتحديدًا في سورية ولبنان هي للرجال، وإذا ذهبتي لأي كوافير هناك ستجدين مزاوليها معظمهم رجال".
بعد عام 1997 انتقل "حاتم" للعمل في "صالون نائل" المختلط، يقول" كانت الطرق والمعابر مفتوحة والزبائن يأتون من كل مكان حتى من داخل أراضي الـ48 وأجانب".

عام 2000 انتقل "حاتم" لمزاولة المهنة في مركز "روزي" المعروف حاليًا بغزة، ورافقه عددًا من المتقنين لها مثل أحمد البلتاجي، يقول "عملنا شمل كل شيء، قص، شعر، صبغة، مكياج وكل ما يتعلق بعمل الكوافير وأخصائي التجميل".
استقل "حاتم" عام 2003 في مهنته وفتح محله المعروف وسط مدينة غزة، يقول: "يومها شعرت لأول مرة بأنني ذاهب لبناء مستقبل ملكي".
يضيف "لم يتركني زبائني وجاءوا من كل مكان يطلبونني بالاسم-بالطبع كلهم حريم-واستطعت أن أصنع بصمتي الخاصة في فترة قصيرة جدًا، وكنت من المنافسين في هذه المهنة".
ملاحقة ومنع للمزاولة
تعرض "كوافير حاتم" لانتقادات في حين اعتبر البعض أن مزاولته للمهنة طبيعي جدًا وأمر لا يبعث للاستنكار، كما هو حال اليساريين والمسيحيين والمعتدلين، إلا أن هناك من رفض وجوده وهم من أسماهم بـ"المتشددين".
يستحضر في حديثه حادثتين تعرض فيهن محله للتفجير عام 2008 و2009، يقول: "تعرض المحل للتفجير بالقنابل على أيدي مجهولين وأعدت افتتاحه رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت به، لأنني مؤمن بمهنتي وأمارسها بكل أمانة، وأرى أنني أكثر حفاظًا على سمعة المحل كرجل".
يشير حاتم إلى أنه حتى يومنا هذا لم يتوصل إلى أي نتيجة بشأن الجهة أو الأشخاص الذين فجروا محله، يقول: "لليوم مدرجة تحت اسم مجهول".
عام 2011 صدر قرار من وزارة الداخلية بغزة بمنع مزاولة الرجال لمهنة الكوافير بغزة وشمل كل المراكز التجميلية التي يعمل بها الرجال، ضمن ما أسماه حاتم "الأسلمة"، وتابع "تلقينا استدعاءات ووقعت كما الباقي تعهدًا بعدم المزاولة، وأن أكتفي فقط بإدارة المحل خارج غرفة العمل".
يقول: " يوجد في الصالون قسمين أحدهما أعد خصيصًا للمحجبات وهذا لأننا نحترم كل الأفكار والأديان، وهناك زبائن من النساء تطلبني بالاسم، لكن الوضع ليس كما السابق".
يعتبر حاتم أن كثير من الناس "ظُلمت" بقرار منع مزاولة مهنة الكوافير، ويزيد "هناك كثير ناس جاعوا بعد توقف الكثير من العمال والموظفين".
بند "منع مزاولة المهنة" مدرج في ترخيص البلدية الحاصل عليه الغول، وهو في نفس الوقت لا يملك أي ورقة ثبوتية بالمنع رغم توقيعه على التعهد.
ويتساءل حاتم " انا ملتزم بدفع الضريبة والترخيص، وفي محله بالقوانين ولم يسبق أن قدّم أي شخص شكوى ضدي، فلماذا يتم منع المزاولة".
ويقصد كوافير حاتم عشرات الشبان رغبة في التدريب خاصة ممن يفكرون بالسفر للعمل بالخارج كونها مطلوبة للرجال في معظم الدول، "عدد من يأتونني بشكل لا يتخيله عقل".
حاتم كشف إنه على علم بأن عدد من أصحاب الصالونات الرجالية يستقبلون نساء بأمور متعلقة بالصبغة والبروتين، لأنها "أرخص بكثير عن كوافير السيدات وأكثر اتقاناً".
حصل الغول وهو عضو مجلس إدارة أصحاب صالونات الحلاقة بالقطاع أكثر من مرة على المرتبة الأولى بمزاولة المهنة، ويقول: "وصلتنا دعوات للمشاركة في مهرجانات تمثل غزة في 7 دول، ولم نستطع الخروج بسبب أوضاع المعابر".

الأسبق في المهنة
الرجل الأسبق بمزاولة المهنة "عدنان بركات" بدأها عام 1984 داخل "اسرائيل" بمراكز الكوافير والتجميل هناك وكان يبلغ من العمر (18 عاما)، وهو اليوم يُعتبر "مدير للمهنة" وليس مزاولًا، وفق تعهده للجهات الحاكمة.
يقول: "في عام 1991 جئت لغزة وافتتحت مركزي المعروف باسمي وعملت فيه وحدي ودرّبت زوجتي حتى أصبحت رفيقة دربي لليوم في هذه المهنة".
لكن بركات (52 عاما) حاول استدراك حديثه لشبكة "نوى" بالقول "عملي الأن لزبائن معينين وليس للجميع".
يوضح "قبل عشر سنوات تقريبًا وقعت تعهدًا بعدم مزاولة المهنة، وبالنسبة لي هو غير مبرر، وصدقًا أقول هنا أن الرجال يخافون على سمعة محلهم أكثر من النساء، لأن الإنسان يعمل على سمعة محله أكثر من نفسه، وإلا فإنه يحكم على نفسه بالإعدام".
" الانتقاد والحرص على السمعة"
بعض الناس يستغربون من كونه "كوافير للسيدات يديره رجل"، يقول بركات، ثم يستدرك "لكن أنا لا أختلط بأحد وبالنسبة لي لا يعنيني رأي أحد طالما أنني أمارس مهنتي بكل أمانة".
أصحاب مراكز مشهورين توفوا منهم "أبو طلال ونظير وضبيط"، والبعض أغلقوا مراكزهم تمامًا بعد الملاحقة، وآخرين علمت "نوى" أنهم يزاولونها بحذر، وشق أخر منهم يديرونها وفق ما هو مسموح.
أما بركات فاستقر به الحال لأن يصبح مركزه مصدر رزق بسيط في الحقبة الأشد سوءًا اقتصاديًا بغزة، يقول "في هذا العمر لا يمكنني أن أغيرها، وزوجتي أصبحت تمسك بزمام الكثير من الأمور داخل الصالون".
رغم الضغوط الممارسة عليه سابقًا، إلا أنه يعتبر الأمور حاليًا سلسة نوعًا ما، خاصة أن المهنة لم يتبق من مزاوليها سوى "بركات وحاتم" وكوافير "رمزي" وهو ما أكد زملائه الاثنين أنه لا يرغب بالحديث عن الأمر.
