قبل قرابة 13 عاماً، وتحدياً في عام 2005 أقر المجلس التشريعي الفلسطيني في حينها بالقراءة الأولى مسودة مشروع قانون الحق في الحصول على المعلومات في فلسطين، وتوقف الأمر هنا ولم يصادق عليه المصادقة النهائية، فتعالت أصوات مؤسسات المجتمع المدني والهيئات الرسمية الحكومية والغير الحكومية المعنية، وانطلق حراك مدني ورسمي للمطالبة بالمصادقة النهائية على القانون.
خلال تلك الأعوام، عقدت الورش والندوات حول مشروع القانون، وكتبت العديد من التقارير والمقالات الصحفية، أغلبها ركز على توجيه قراءات نقدية لنصوص مشروع القانون بهدف تعديل نصوصه قبل إقراره والتصويت النهائي عليه، بهدف الوصول لنصوص قانونية مثالية تخدم جميع المواطنين وتدعم النزاهة والشفافية والمساءلة دون قيود رقابية.
حتى اليوم، وبعد مرور كل هذه السنوات، لم يتم التصويت على قانون الحق في الحصول على المعلومات أو إقراره، فما هي الأسباب؟ وما أهمية وجود هكذا قانون؟ ولماذا تطالب المؤسسات الفلسطينية به؟ وكيف يمكن أن يخدم المواطن الفلسطيني؟
الحصول على المعلومات وحرية الرأي والتعبير
أكد الكاتب والمحلل السياسي “مصطفى ابراهيم”، على أهمية إقرار قانون الحق في الحصول على المعلومات للعمل به في دولة فلسطين، موضحاً أن هناك ترابط وثيق بين الحصول على معلومات وحرية الرأي والتعبير، قائلاً “لا يمكن أن نتحدث عن حرية الرأي والتعبير دون وجود معلومات متداولة بشفافية ونزاهة، نستند إليها في التعبير عن آرائنا ومواقفنا ومسائلتنا، سواء كنا مواطنين أو إعلاميين أو باحثين أو عاملين في مؤسسات المجتمع المدني، أو حتى مؤسسات حكومية”.
وأشار إلى أنه لا يجوز استمرار وضع مشروع القانون في الأدراج منذ أكثر من 10 سنوات وحتى اليوم، خاصة وأن دولة فلسطين انضمت للعديد من المنظمات والمواثيق الدولية خلال السنوات الأخيرة.
ويستغرب ابراهيم متسائلاً “كيف سيُعبر المواطنون عن آرائهم بحرية دون الحصول على معلومات دقيقة وموثقة منشورة للعلن”، حيث نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 19 على أنه “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”.
كما ونصت المادة 19 من القانون الأساسي الفلسطيني على “لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون”.
الحاجة لنشر المعلومات
واتفق “وائل بعلوشة” المدير الإقليمي في قطاع غزة للائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان”، مع الكاتب “ابراهيم” في أهمية وحاجة المجتمع الفلسطيني لإقرار قانون الحق في الحصول على المعلومات.
وقال “إقرار القانون مهم وضروري لمؤسسات المجتمع المدني في فلسطين، حيث أنها تركز في عملها على تعديل السياسات، والتي لا يمكن الوصول إلى هذه التعديلات دون توفر المعلومات التي بنيت عليها السياسات العامة، وحددت الفئات المستهدفة، وأعدت الموازنات والخطط الحكومية”.
وتابع “مؤسسات المجتمع المدني لا تستطيع أن تحدد خارطتها إلا بناءً على هذه المعلومات المتوفرة، كما لا تستطيع المؤسسات أن تراقب أو تضغط أو تناقش إلا في ظل الحصول على المعلومة”.
وأشار بعلوشة، إلى أن بعض المؤسسات تستطيع في الوقت الحالي، وفي ظل عدم إقرار القانون وعدم نشر المعلومات، أن تصل لها بطرق أخرى، منوهاً أن الأصل إتاحة ونشر المعلومات للعامة، وضرورة أن ويكون هناك توجه رسمي لإتاحة المعلومات.
مؤسسات المجتمع المدني، ليست الوحيدة التي تحتاج المعلومات في عملها، فأيضاً المؤسسات الإعلامية والصحفية والعاملين فيها بحاجة ماسة إلى توفر المعلومات، وقال بعلوشة “لا يمكن ممارسة أي نشاط إعلامي أو بحثي دون توفر معلومات واضحة ومحددة ودقيقة، وإلا أصبح الصحفي مثلاً ينشر توقعات وتكهنات وتحليلات لا أكثر، ومن الممكن أن تصيب أو تخيب”.
وتابع “هذا ما يجعلنا نحن كمؤسسات مجتمع مدني وإعلام ننادي بضرورة وجود قانون الحق في الحصول على المعلومات، بالإضافة أيضاً إلى الباحثين والدارسين من طلاب الدراسات العليا وطلاب الجامعات، لأن أبحاثهم ودراساتهم تكون مبنية على ما هو متاح من معلومات، وفي حال لم تكن المعلومات متاحة، يصل الباحث إلى نتائج غير دقيقة وقد تكون مضللة”.
الفئات المستفيدة من القانون
وعن الفئات التي يمكن أن تستفيد من توفر المعلومات، أوضح بعلوشة أن المواطن أولاً هو المستفيد الأكبر، من ثم الإعلاميين والعاملين في مجال الأبحاث والدراسات، والعاملين في مجال الرقابة والمؤسسات التي تراقب السياسات العامة وأداء الحكومة.
ونوه إلى أن الحكومة أيضاً ستستفيد من نشر المعلومات، لأنها ستمكن الوزارات من الاطلاع على المعلومات المترابطة فيما بينها، وتمكنها من زيادة التعاون والترابط فيما بينهم، إلى جانب تسهيل أداء عمل الحكومة.
تطوير المسودة وتأثير الانقسام
وأكد بعلوشة على أن ائتلاف “أمان” شارك في إعداد عدد من المسودات كتعديل وتطويل على مسودة قانون الحق في الحصول على المعلومات، خلال السنوات القليلة الماضية، كان آخرها قبل عامين تقريباً، وقال “أعتقد أن المسودة الأخيرة التي عملنا عليها وذهبت إلى رئيس الوزراء الفلسطيني، هي مسودة عصرية وتواكب التطور وقابلة للتطبيق، كما وتسهل بشكل أو بآخر موضوع اتاحة المعلومات وفق القانون وحسب مقتضيات الحاجة”.
أما عن تأثير الانقسام السياسي الفلسطيني، قال إبراهيم “خلال الانقسام كانت هناك جملة من القوانين التي أُقرت وشُرعت من قبل كتلة التغيير والاصلاح التابعة لحركة حماس في قطاع غزة، وأيضاً هناك أكثر من 200 قرار بقانون أُصدر من قبل الرئاسة الفلسطينية في الضفة الغربية، ولو كانت الأطراف الحاكمة معنية بقانون الحق في الحصول على المعلومات لتم إقراره منذ سنوات، ولكن في اعتقادي أنهم غير معنيون بهذا القانون، على الأقل في الوقت الحالي الذي نشهد به انقساماً”.
وطالب الكاتب “ابراهيم” السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، خاصة وأنها أكدت التزاماتها بالمواثيق والمعاهدات الدولية والانضمام للعهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أن تصدر قانون الحق في الحصول على المعلومة، وإقراره أيضاً من قبل المجلس التشريعي في قطاع غزة، بحيث تكون ملائمة مع المعاهدات والمواثيق الدولية، وتلبي احتياجات كافة فئات المجتمع الفلسطيني.
