غزة:
لن تحتاج المواطنة كريمة الشيخ "44 عامًا" لأن تستفيق منتصف الليل لتدوير عجلة غسالة الملابس أو الثلاجة، أو الماتور الكهربائي لتضخ المياه لخزاناتها العلوية، مصارعة الساعة البيولوجية ليتنسى لها استثمار وجود الكهرباء في وقتها المحدد.
"الآن الكهرباء "حبطرش" ( أي متوفرة بكثرة)، ما يعني قيامي بمتطلبات المنزل بطمأنينة دون صراع مع الوقت والأولاد"، هكذا وصفت كريمة انبهارها أمام الحدث الاستثنائي الذي طال غزة، فلأول مرة منذ 12 عامًا يأتي التيار الكهربائي لساعات طويلة متتالية دون انقطاع، وهذا لم يعهده قطاع غزة الذي يعاني أزمة حادة في التيار الكهربائي.
منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي بدأت شاحنات الوقود القطري تتوافد إلى قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم لصالح محطات توليد الكهرباء تحت إشراف وفد من الأمم المتحدة مما ساهم في تدفق الكهرباء لفترات أطول، على خلاف السابق فكانت تعمل أربع ساعات وصل مقابل 12 قطع.
تقول كريمة: "وجود الكهرباء في المنزل نعمة، فالطعام سيبقى لفترات طويلة في الثلاجة دون أن يتعرض للفساد، كذلك بإمكاني طهي وجبات لذيذة لأولادي باستخدام الفرن الكهربائي في أي وقت، ويمكنني الخروج من المنزل للتنزه دون قلق فيما لو جاء التيار الكهربائي وانقطع ولم استثمر وجوده".
لا نبالغ حين نقول أنّ استمرارية وجود التيار الكهربائي ليلًا ونهارًا مثار دهشة واستغراب لـ2 مليون مواطن يعيشون في غزة، أفسدت أزمة الكهرباء حياتهم وغيرت أنماطها حتى أنهم عادوا لاستخدام أدوات بدائية بديلة عن الطاقة.
"وأخيرا تحسن جدول الكهرباء فأنا الآن ارتحت من ضوء "الليدات" الخافت فلم نعد بحاجة لها والمواظبة على شحنها في المنزل لفترات طويلة"، تقول الطفلة ملك سعد 12 عامًا التي أرهقت من إعدادها واجباتها المدرسية باستمرار تحت إضاءة المصابيح الصغيرة التي أثرت على بصرها بشكل سلبي مما استدعى والدها شراء نظارة طبية لها.
تعد "الليدات" المصابيح الصغيرة، إحدى وسائل الإنارة المستخدمة في قطاع غزة، وهي مصابيح صغيرة لا تحتاج إلى طاقة عالية، بحيث يمكن إضاءتها باستخدام بطاريات صغيرة بقدرة تصل إلى 20 فولت أو أكثر بقليل، وتعتمد بطارياتها على مبدأ إعادة الشحن والتفريغ، تحت نظرية تخزين الكهرباء، لمدة تزيد عن 8 ساعات، وترجع إلى طبيعة استخدام البطارية وعدد الليدات المستخدمة على البطارية الواحدة.
ولا تنكر الطفلة أن الليدات كانت تحل أزمتها بشكل مؤقت، لكنها تؤكد على أنها تخلصت من معاناة اقتنائها فهي بالكاد كانت تشحن لفترة قصيرة أقل من المحددة لها، فتعمل لساعتين بعد انقطاع التيار الكهربائي ثم تفقد شحنتها لتعود ملك للجلوس على الظلام دون أي مصدر نور.
وبحسب تصريح أدلى به العام الماضي مدیر العلاقات العامة والإعلام بغرفة تجارة وصناعة غزة د. ماھر الطباع أن المواطن الغزي دفع ثمن بدائل عن الكهرباء أموال باهظة قرابة مليار ونصف مليار دولار، وھو مبلغ یكفي لإنشاء ست محطات توليد طاقة شمسية تنتج ما یزید عن 1000 ميغاواط.
ودفع هذا التحسن في جدول الكهرباء المواطن الغزي صبحي المغيّر 50 عامًا صاحب أحد محلات الخياطة، لأن يعيد فتح أبواب باب رزقه بعد أن أغلقه ستة شهور إثر تعرضه لخسارة كبيرة ناجمة عن ارتياده لشراء كميات من السولار الازم يوميًا لتشغيل المولد الكهربائي بديلًا عن الكهرباء التي كانت تقطع لفترات تزيد عن 20 ساعة.
يقول:" كنت أضطر شراء سولار بقيمة 20 شيكل يوميًا الماتور الكهربائي وتدوير ما كنيات الحياكة التي يبلغ عددها 2 في محلي قرابة الستة ساعات يوميًا بشكل متواصل، حتى لا أنقطع عن تلبية طلبات الزبائن التي تتمثل في قطب بعض الملابس الممزقة ، إعادة إصلاح الحقائب، حياكة ملابس جاهزة مقابل بضعة شواكل".
ويضيف رغم أنّي أحيك حاجيات المواطنين بمبالغ بسيطة تتراوح ما بين 3 شيكل، 5 شيكل للقطعة الواحدة، إلا أن الظروف الاقتصادية السيئة قللت القدرة الشرائية ولم يعد هناك مال لأشتري سولار، مما عرضني لخسارة كبيرة على إثرها أغلقت المحل، لكني الآن لست بحاجة لشراء للسولار في ظل انتظام وجود التيار الكهربائي وهذا ما يجعل الربح يكفي، ويختم قوله مبتسمًا الحياة الآن أصبحت رغيدة مع وجود الكهرباء باستمرار.
ولم تخلُ أحاديث المواطنين الغزيين من عبارات الترحيب بالكهرباء والممزوجة بكلمات السخرية بعد تواصل وجود الكهرباء لفترات طويلة لأكثر من 48 ساعة بشكل متواصل، حتى وصل الأمر في المواطن أحمد عاشور 33 عامًا بأن يفصل أحد مقابس الكهرباء في منزله لأنه شعر بالملل من وجود الكهرباء لساعات طويلة لم يعهدها سابقًا.
هذا وكانت قد خلف انقطاع التيار الكهربائي عدة حوادث وحالات من الوفاة في غزة نتيجة اعتماد بعض العائلات على وجود الشموع بدل وسائل الطاقة البديلة الأخرى فضيق الحال منعهم من ذلك.
