غزة:
"كنت أحبّ المشي والركض كثيرًا، الآن بالكاد أستطيع التحرّك، لم أتغيّب يومًا عن المدرسة إلا في حال المرض الشديد، أمّا اليوم أذهب يوم واحد أسبوعيًا، وأعود إلى المنزل منهكة متعبة، ونفسيتي سيئة جدًا"، هكذا تحوّلت حياة تسنيم عاشور 16 عامًا بعدما إصابتها برصاصة متفجّرة أطلقها قنّاص من الاحتلال الإسرائيلي عليها لدى مشاركتها في مسيرة العودة شرقي مدينة رفح جنوب قطاع غزة.
وتتحدّث الفتاة عن أكثر ما يؤلمها: "في المدرسة، تتفهّم المديرة أمر إصابتي، أداوم يوم واحد وبهذا اليوم تنقل المديرة الصف كلّه إلى الطابق الأرضي تماشيًا مع حالتي الصحية، كما تسعى زميلاتي لمساعدتي في الدراسة وشرح ما يفوتني بكلّ يوم تتمكّن مني الإصابة فيه وتحول دون استطاعتي على العودة إلى الدوام، نفسي أتعالج ونفسي أرجع للمدرسة".
في العاشر من أغسطس / آب، كعادته، يهمّ عماد عاشور في كلّ جمعة بالذهاب إلى عمله في الغرفة الطبية شرق مدينة رفح جنوب قطاع غزّة، بصحبة عائلته التي تشارك في التظاهرات السلمية على الحدود الشرقية للقطاع، منذ انطلاق مسيرات العودة الكبرى يوم الـ30 من آذار مارس / آذار للعام الجاري.
"بعيدون عن السلك الفاصل مسافة تصل الكيلو تقريبًا" يقول عماد والد تسنيم الذي اعتقد أن بعد المسافة عن السلك الفاصل مع الاحتلال يمكن أن يحمي عائلته من رصاصات الجنود المتربّصين بالفلسطينيين في تلك المنطقة، مضيفًا أن الرصاصة اخترقت ساق شاب كانت تجلس بالقرب منه ثمّ اخترق مخرج جنب من جسد الفتاة ثم تفشت إلى البطن وفجّرت شظاياها بداخله.
لسوء الحظ أن مدينة رفح لا يوجد بداخلها مستشفى يعالج المواطنين، باستثناء عيادات صغيرة تقدم خدمات بسيطة، على الرغم من مطالبات أهالي المدينة بضرورة إنشاء المستشفى خاصّة أن الأول من آب/ أغسطس 2014، وقعت مجزرة "الجمعة السوداء" كما يسميها أهالي مدينة رفح التي مرّت بقتل قوات الاحتلال لـ140 مواطن وإصابة المئات وعدم وجود المشفى أجبر الناس على تخزين جثث الموتى في ثلاجات الخضار، وارتفاع أعداد الشهداء من المصابين.
بالطبع، لم يقتصر أمر المعاناة عند انتهاء الحرب، تسنيم على سبيل المثال لا الحصر، أرغم والدها على إخراجها من مستشفى الأوروبي بخانيونس، لاستكمال علاجها في منزلها برفح بعد خمسة أيام فقط من إصابتها، بسبب التكاليف التي وقعت على كاهل العائلة ذهابًا وإيابًا بين المدينتين بالإضافة إلى توفير العلاج.
وتبلغ تكلفة العلاج اللازم لتسنيم حوالي 100 دولار أسبوعيًا، إلا أن والدها المعيل لتسعة أفراد ويعمل موظفًا بحكومة غزّة السابقة لا يتقاضى إلا ما يقارب 1000 شيكل كلّ شهرين، محاولًا تعويضه عبر أصدقاء له يمكن أن يوفروا العلاج بطريقة ما.
وعند سؤالنا حول إذا ما كانت تواصلت بعض المؤسسات مع العائلة لتوفير بعض من العلاج اللازم أجاب الوالد "حوالي 5 جمعيات أتت لزيارتنا في المنزل إلا أن واحدة منها قدّمت لتسنيم 70 دولارًا، وأخرى وفّرت نوع واحد من العلاج اللازم، وغير ذلك نحاول إيجاد وساطات لتوفير الدواء من أي مكان، أو تخفيض رسوم التصوير والتخطيط اللازم لمتابعة حالتها والذي يكلّف من 100 إلى 350 شيكل (بين 30 إلى 100 دولار تقريبًا) ويدّعون أنه مجاني لجرحى المسيرات".
بدورها، تقول وزارة الصحة في غزّة إنّ المرافق الصحيّة كافة تُعاني من عجز حاد في المستلزمات الطبّية وبعض أصناف الأدوية، جرّاء الحصار الإسرائيلي، إضافة إلى العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية على القطاع ومنها تقليص كميات الأدوية والمُستلزمات الطبية المُورَّدة لمرافق الوزارة بغزة.
وسابقًا، ردّ الدكتور عبد اللطيف الحاج مدير المستشفيات في قطاع غزة، لـ"نوى"، أنه حينما يكون وضع غزة على شفا حفرة من الهواية فمن الطبيعي ألا يكون وضع النظام الصحي أفضل".
وأكّد الحاج على النقص الكبير في مخزون الأدوية وتعطل كبير للأجهزة الطبيبة المستخدمة نظرا للضغط الحاصل في علاج الجرحى، مشيرًا "منذ اليوم الأول للمسيرات غرقت المستشفيات بأعداد كبيرة من الجرحى لم نتوقعها، وحتى التعامل مع خالات الاختناق جراء الغاز باتت صعبة، فلا يوجد مضادات للاختناق".
تسنيم، تعتبر واحدة من بين أكثر من 20 ألف جريح هم بحاجة إلى العلاج، بعدما استهدفهم الاحتلال على طول المناطق الحدودية شرق قطاع غزّة منذ بدء المسيرات يحتاجون إلى العلاج وتوفير الدواء.
