الإهمال الطبي..قصص مؤلمة ومحاسبة غائبة
تاريخ النشر : 2018-10-21 21:14

شيرين خليفة

لم يدر في خلد الشابة نازك اليازجي 30 عامًا أنها حين تتجه إلى المستشفى لفحص جنينها في شهره الثامن من الحمل؛ أن هذا اليوم سيكون نهاية حياتها بسبب إهمال طبي تعرضت له، ليُكتب على طفلها الذي وضعته عنوة أن يُكمل الحياة يتيمًا، هو وخمس من إخوته الذي فُجعوا بعودة أمهم ميتة !

القصة كما ترويها عائلة اليازجي أن الشابة نازك ذهبت إلى أحد المستشفيات الخاصة؛ وهي بالشهر الثامن للمراجعة لدى طبيبها المختص والذي أصرّ على ضرورة ولادتها رغم أنها لم تكن تشعر بآلام المخاض، وعندما طلبت الولادة قيصريًا، أصر الدكتور على ولادتها بطريقة الولادة الطبيعية بإبر الطلق الصناعي.

وتسرد العائلة ما حدث بقولها إن ابنتهم نازك أصيبت بعد الولادة بنزيف داخلي، وبعد مضي ساعة طلبوا منها المشي، ولكنها سقطت على الأرض وانفجرت المثانة لديها، ووصلت وحدات الدم لديها إلى 3 وحدان فقط، فنقلوها إلى مستشفى الشفاء بإسعاف غير مؤهل، وتم إعطاؤها 40 وحدة دم ثم تم تحويلها إلى مستشفيات الاحتلال حيث توفيت هناك، العائلة بدورها طالبت بالتحقيق في ظروف وفاة ابنتهم وتقديم المتسببين للعدالة.

المهندس بهاء العقاد أبدى تعاطفًا شديدًا مع قصة السيدة نازك، كون زوجته واجهت ذات مشكلة الإهمال الطبي عند وضعها لطفلها في 13 يناير 2018 داخل أحد المستشفيات الحكومية، ورغم تقديمه بشكوى إلا أنه ومنذ ذلك الحين لم يتلق ردًا مقنعًا.

يقول المهندس بهاء لـ"نوى" إن زوجته وضعت جنينها بعد ولادة طبيعية، لكن أصيبت بنزيف حاد استدعى إرجاعها إلى كشك الولادة، دون إخبار مرافقاتها بالأمر، تم السيطرة على النزيف بعد أربع ساعات احتاجت خلالها 18 وحدة دم، ثم دخلت العناية المكثفة وبقيت أربعة أيام، وتبين أن هناك مضاعفات في المثانة ما زالت مستمرة حتى الآن في خضوعها للعلاج وأن معاناتها تزداد شيئا فشيئا.

ويشتكي العقاد سوء تعامل الكادر الطبي معه حين ذهب للسؤال عن ما حدث لزوجته في الولادة، كما أنه تقدم بشكوى لدى وزارة الصحة بسبب هذا الإهمال، وبسبب عدم وتوفير العناية اللازمة لها في البيت مما زادت المضاعفات لديها، لكن وبعد نحو 6 شهور وبعد إصرار من طرفه ردت الوزارة عليه برد غير مقنع، مفاده أن المضاعفات التي حدثت واردة، مبدياً استنكاره لهذه الطريقة في التعامل مع حالات النساء اللواتي يتوجهن للولادة.

أما السيدة مها سليم والتي فقدت طفلها كنان العام الماضي بعد ولادته بأربعة أيام؛ بسبب الإهمال، وتقول لـ"نوى" إنها وضعت مولودها وكانت العملية القيصرية ناجحة، ولكن بعد ساعات عانى المولود من صعوبة في التنفس دون علمها، توجهت إلى الحضانة لمشاهدته، فلاحظت حركة غير عادية وكلمات من قبيل أن هناك طفل في حال الخطر وعلى وشك الموت، لتُصدم بأنه مولودها كنان.

وتضيف السيدة مها أنها باشرت فورا بالسؤال عما حدث، ولكن أخبروها أن تتبعهم إلى مستشفى النصر للأطفال، وصل وهو يعاني الاختناق في التنفس؛ ليتبين أن الطبيبة دفعت الأكسجين في صدره بدلًا من شفط الهواء، مما أدى إلى خلل في الدورة الدموية وغيبوبة لخمسة أيام ثم أدى إلى وفاته.

ورغم أن المستشفى الخاص الذي وضعت جنينها فيه شكّل لجنة تحقيق، لكنها لم تتقدم رسميًا بشكوى لوزارة الصحة كونها لن تصل لنتيجة، فسبق وأن وضعت جنينًا عام 2012 في مستشفى خاص وعانت من مضاعفات، فاكتشفت أن الطبيب نسي جزءًا من الخلاصة واضطرت لإجراء عملية أخرى.

من جانبه قال المحامي بكر التركماني منسق وحدة التحقيقات والشكاوى، إن هناك ضرورة للتمييز بين الإهمال والأخطاء الطبية، فالإهمال ناتج عن عدم اتخاذ التدابير المرتبطة بالعمل الطبي، وهذا يحاسب عليه القانون، "ولكن ما زلنا بحاجة إلى مواجهة مشكلة الأخطاء، من حيث تحديد نسبة الخطأ لتكون هناك مسؤولية على الطبيب والمؤسسة الطبية سواء حكومية أو أهلية".

وأضاف التركماني أن هناك قضايا منظورة أمام القضاء، ولكن فيما يتعلق بتجاوب وزارة الصحة عادة يتم إجراء تحقيقات، ولكن غالباً يكون الرد بعدمية وجود الأخطاء، وأن ما حدث ناتج عن مضاعفات طبية، مطالبًا بضرورة تشكيل لجان تحقيق خارجية ليس تشكيكًا بلجان الوزارة ولكن سعيا للأفضلية.

وأوضح التركماني أن عدم تحديد سقف زمني للرد على الشكوى وعدم إطلاع المواطنين على سير إجراءات الشكوى، هي من أبرز من المشاكل التي يعانوها، إضافة إلى مسألة مهمة مرتبطة بالأخطاء، وهي: التعويض، وجبر الضرر، وهذا دور وزارة الصحة سواء كان الخطأ في مستشفى حكومي أو أهلي، والأصل أن يتم المحاسبة، ونوّه إلى أهمية دور المؤسسة الصحية في تعزيز ثقة الناس بالتحقيقات، فكثيرًا ما يحجب الناس عنهم لعدم ثقتهم بالنتيجة.

بدوره قال المحامي سعيد البطة المستشار القانوني لوزارة الصحة إنه فور ورود أي شكوى من مواطن سواء من دائرة الشكاوى بالوزارة أو من خلال مؤسسات حقوق الإنسان أو النائب العام يتم التحفّظ على الملف الطبي للحالة وتشكيل لجنة فنية من خارج الجهة المشتكى عليها للتحقيق في الموضوع وتسجيل إفادة الأهل والطاقم الطبي وإذا تبين وجود خطأ أو تقصير نذكر هذا صراحة وتوجيه العقوبة التي تتناسب مع حجم المخالفة.

وأوضح البطة أن المواطن يحصل عادة على نسخة من التقرير أن هناك قضايا مدنية مرفوعة أمام المحاكم تطالب بالتعويض، وهناك حالة تم فصل الطبيب فيها لتسببه بحالة وفاة، ويضيف أن الخطأ الطبي وارد في كل دول العالم، ووزارة الصحة تتابع الشكاوى سواء كانت متعلقة بمستشفيات حكومية أو خاصة، وتتخذ بالنهاية الإجراء المناسب لكل حالة.

وتعقيبًا على طول مدة التحقيق في شكوى المواطن العقاد، أكد البطة أن المدة الزمنية للتحقيق في أي شكوى لا تتجاوز عادة الشهر أو الشهر ونصف، ونادرًا ما تتجاوز الشكوى هذه المدة؛ وتأتي نتيجة انشغال أفراد طاقم التحقيق بأعمالهم، ولكن عادة يتم التحقيق بأسرع وقت، مضيفًا أن ما يتعلق بالإهمال يعدّ أخطر من الخطأ الطبي بذاته.