الكاميرا في كفة وإنقاذ المسن في الكفّة الأرجح
تاريخ النشر : 2018-10-18 07:55

غزة:

"كنت في الميدان مشغولًا بالتقاط الصور، لمحت المسن يكاد يقع أرضًا بسبب استنشاقه الغاز، لم أفكر بتاتًا، وجدت نفسي أحمله دون وعي وأركض به نحو منطقة أكثر أمنًا، طاقة داخلية دفعتني لانتشاله، وفي الحقيقة إن إنقاذه كان أهم مليون مرّة من أي سبق صحفي فاتني في تلك اللحظة"، كلمات جاءت على لسان المصّور الصحافي حاتم عمر.

في الثاني عشر من أكتوبر، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي في فلسطين المحتلة بصورة تظهر مصورًا صحافيًا يحمل عجوز على ظهره ويركض به من بين الدخان المنبعث من قنابل الغاز الذي تطلقه قوّات الاحتلال الإسرائيلي على المتظاهرين السلميين شرق قطاع غزّة ضمن فعاليات مسيرة العودة وكسر الحصار.

"مهنة الصحافة إنسانية بامتياز، والصورة ليست أغلى من الروح! أنا إنسان قبل أي مسمى آخر"، هكذا يقول حاتم عمر 39 عامًا الذي يعمل مصورًا في قطاع غزّة منذ 16 عامًا، ويصوّر اليوم لصالح وكالة "شينخوا" الصينية تعليقًا على الحدث.

انطلقت مسيرة العودة الكبرى في الـ30 من مارس/آذار من العام الجاري، بدعوى من الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار والتي نصبت خمسة مخيمات في خمس مناطق حدودية وهي منطقة "ملكة" شرق مدينة غزة، منطقة "أبو صفية" شمال مدينة غزّة، ومنطقة "خزاعة" شرق مدينة خانيونس ومخيم شرق البريج وآخر شرق رفح.

حاتم الذي درس الإعلام التربوي، ومارس مهنة التصوير الصحفي لا يجد تعارضًا بين التقاط الصورة والتقاط روح تهوي إلى الأرض بسبب الإصابة، غير أن الظروف تجبر الصحافيين أحيانًا على ممارسة أدوار مختلفة تخدم الإنسانية التي هي أساس العمل الصحفي، موضحًا "التاريخ كتب و سيكتب أنه لا اختلاف بين العمل الصحفي والعمل الإنساني".

وحول الخوف من استهداف الاحتلال له يقول حاتم:"الخطر موجود على أية حال، والخوف لم يمنعني من اسعاف مسن كاد أن يموت بينما كان يدافع عن حقه وكرامته في مسيرة سلمية كفلتها القوانين والأعراف الدولية، مقابل جيش الاحتلال الذي لا ينفك عن استهداف الفلسطينيين بغض النظر عن مسمياتهم".

في الوضع العادي، لا يفرق الاحتلال بين صحافي ومواطن عادي حتى وإن ارتدى أدوات السلامة المهنية كالدرع الواقي والخوذة، هذا ما أثبته الميدان بعد استهداف الصحافيين والصحافيات على طول الحدود الفلسطينية في قطاع غزّة.

وبلغت حصيلة الإصابات في صفوف الصحفيين الفلسطينيين أكثر من 200 صحفياً وصحافية بينهم نحو 90 صحفياً أصيبوا بالرصاص الحي، فضلاً عن استشهاد الزميلين ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين.

في الموضوع، يؤكّد الصحافي والباحث محسن الافرنجي أن "الصحافة مهنة إنسانية باقتدار"، فعندما يرفض الصحفي الفلسطيني حاتم عمر أن يتصرف مثل الصحفية البريطانية في الفيلم القصير "واحد على مائة من الثانية One Hundredth of a Second" حيث فازت فيه الصحفية بجائزة عن قصتها المصورة لطفلة قتلت خلال الحرب وخسرت ضميرها وإنسانيتها.

ويتابع "فقد اجتذب مشهد انتقال المصور الصحفي حاتم عمر من مربع التصوير إلى مربع المسعف لإنقاذ مسن مصاب خلال مسيرة العودة الكبرى الصحفيين والمجتمع كافة لدلالاته المهنية والإنسانية".
ويشير الإفرنجي إلى أن الخلط في بعض المفاهيم والعبارات سواء بقصد أو بدون قصد ممن علقوا على الصورة التي التقطت للمصور حاتم، استوقفته بعدما ركز المغردين والمعلقين على أن الإنسانية انتصرت على المهنية في هذا الموقف، وأن الصحفي أثبت أنه إنسان، وأن الصحفي إنسان وأن الإنسانية أهم من المهنية، بيد أن مهنة الصحافة هي قمة الإنسانية وقاعدتها الأخلاقيات والمبادئ الإنسانية السامية التي تعد الناظم لعملنا والقلب النابض لمشاعرنا وسلوكنا وأقلامنا وكاميراتنا.

كما يوضح أن مهنة الصحافة بحقها وليس كما يمارسها البعض اليوم لمصالح حزبية أو سياسية أو خاصة هي رسالة أولاً، رسالة حب وخير وسلام للإنسانية جمعاء، والصحفي هو إنسان حساس جدا ومشاعره التي يخفيها غالبا حفاظا على شفافية عمله ومصداقيته جياشة أكثر من غيره، ولا يتعارض مشهد الزميل الصحفي مع المهنة ومبادئها الإنسانية والأخلاقية بل هو جسدها بأبهى حللها.

في ميدان العمل الصحفي؛ عندما يكون الصحفي بين موقفين إما تصوير جريمة مثلا من جرائم الاحتلال أو أي مشهد آخر ومهمة إنقاذ شخص لا يوجد من ينقذه؛ فالأولوية هنا بالتأكيد لحياة الإنسان وليس للصورة، فواجبه المهني الإنساني أن يبادر للإنقاذ ما استطاع إلى ذلك سبيلا وفق تعبير الباحث.