"وظائفٌ عليا" يتم المصادقة عليها دون إعلانات توظيف أو منافسة
تاريخ النشر : 2018-10-12 09:20

تحقيق: أنصار طميزه

على صفحات الجريدة الرسمية "الوقائع" يتم نشر قرارت تعيين للوظائف العليا (الفئات الأولى، الفئات الخاصة) مصادق عليها، من هنا فقط.. يستطيع المواطن أن يعرف بوجود شاغر شُغر بهذه الوظيفة، لكن بعد أن تم التعيين بما يخالف مبدأ تكافؤ الفرص لكافة المواطنين الفلسطينيين الذي يمنحه القانون الأساسي.

رصدت معدة التحقيق أكثر من 50 قرار تعيين نُشر على جريدة الوقائع الفلسطينية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لوظائف من الفئة العليا والخاصة بينها وظائف دبلوماسية دون إعلانات في الصحف، وأُصدرت من الرئيس بتنسيب أو بدون تنسيب من مجلس الوزراء، خلافًا للمادة 19 من قانون الخدمة المدنية التي تنص على أن تعلن الدوائر الحكومية عن الوظائف الخالية التي يكون فيها قرار التعيين من الجهة المختصة خلال أسبوعين من خلوها في صحيفتين يوميتين على الأقل، ويتضمن الإعلان: البيانات المتعلقة بالوظيفة، وشروط شغلها، ويُشعر الديوان بذلك.

ووثقت معدة التحقيق 11 قراراً يقضي تعيين وظائف عليا، وتم استنثاء الوظائف الدبلوماسية منها، ووجدت أن من تعينوا بهذه  الوظائف يتقلّدون مناصبا تنظيمية في حركة فتح، منهم أو من أحد أقاربهم عضوا مجلس ثوري، وآخر أمين سر مكتب حركي في حركة فتح، وعُرف منهم أيضاً أعضاء لمؤتمر فتح السابع لعام 2016، ومسؤولين لأقاليم فتح في الضفة الغربية، واثنين من أبناء مسؤولين معروفين، وآخرين على صلة قرابة مع مناصب وزارية.

ويؤكد إبراهيم  البرغوثي مدير مركز مساواة لاستقلال القضاء والمحاماة، أن ما يجري في بلادنا هو ما يطلق عليه "توريث الحكم"، بمعنى أن مجموع الأشخاص المتولين لإدارة البلاد وأصحاب القرار، تشهد ظاهرة توظيف يستهدف تجسيد توريث النظام في كافة المؤسسات العامة، أي ببساطة أن أبناء بعض المسؤولين في السلطة الفلسطينية يتقلد أبناءهم المناصب الواحدة تلو الأخرى.

فيما أظهرت توصيات تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية لعام 2016، ضرورة الالتزام بالقوانين والأنظمة المعمول بها فيما يخص التعيينات لضمان النزاهة، والشفافية، والعدالة، وتكافؤ الفرص بين المتقدمين.

و قال إبراهيم البرغوثي إن أي قرار تعيين يمس المادتين "9" و26" في القانون الأساسي الفلسطيني هو قرار غير قانوني، وأضاف أن صلاحيات الرئيس واضحة في الباب الثالث من القانون الأساسي الفلسطيني، التي تتيح للرئيس تعيين الموظفين الدبلوماسيين، إلا أن تحوّل نظام الحكم في فلسطين من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي بدون نص قانوني بالقانون الأساسي يدعم ذلك.

ويشير البرغوثي إلى أن أحد أبرز إشكالات القضاء التي أدت إلى وصوله لحالة انهيار الثقة هي أن آليات التعيين في شطري الوطن، هي تعيين سياسي وليس حزبي بالمعنى الفج، وإنما للسلامة الأمنية وإرادة السلطات ومدى توافق هذا الاختيار مع التوجه العام للسلطة.

خارج خطط الرقابة

من  جانبه قال جفال جفال مدير عام ديوان الرقابة المالية والإدارية، إن الديوان في  خطتة السنوية يأخذ مبدأ الأهمية النسبية في التدقيق، وفي العام 2018 أخذ  مبدأ الأهمية النسبية في خدمة المواطن في موضوع التعيينات بوزراتي الصحة والتعليم، كونهما يمسّان المواطن بدرجة كبيرة؛ لأن  الأهمية النسبية تعتمد على الكم والتأثير المالي، أما بالنسبة لتعيينات الفئات العليا فإن أهميتها النسبية لا تتجاوز 3٪ من حجم التعيينات سنويًا في الموازنة العامة .

وأضاف جفال أن الديوان لم يُصدر تقاريرا خاصة بخصوص تعيينات الوظائف العليا، باستثناء بعض المواضيع التي كانت محل شكاوى أو أثناء التدقيق على المؤسسة بكاملها وخلال عملية التدقيق، وأن الديوان يُصدر نتائج متابعة الشكاوى والتقارير في تقريره السنوي، متضمنًا رأي الديوان حول التعينات والملاحظات في حال وجودها.

وأوضح جفال أن قانون الخدمة المدنية يقضي أن موظفي الفئة الخاصة كرؤساء المؤسسات لا يخضعوا لقواعد المنافسة في إشغال المراكز؛ لأنهم رؤساء المؤسسات: كرئيس ديوان الرقابة، ورئيس سلطة النقد، ورئيس هيئة مكافحة الفساد، ورئيس ديوان الموظفين العام، لا يمكن أن يعلنوا عن وظيفة شاغرة؛ لأن ذلك بحاجة لقواعد قانونية ناظمة، فتكون الفئة الخاصة بدرجة وزير، وهذه مراكز وظيفية لها طبيعة خاصة لا يجري عليها منافسة بين أحد؛ بسبب طبيعة المؤسسات، مبيناً أن قانون الخدمة المدنية يفصل بين أمرين أساسيين وهما: متى يجب أن يكون الأمر موضوع منافسة ومتى لا يكون منافسة، غير أن قانون الخدمة المدنية لم يحمل في بنوده ما يستثني المنافسة على أي فئة من فئات التعيين.

أما بالنسبة للوظائف العليا أي الفئة العليا (من A2 /A4 (، فإن دور الديوان يتلخّص بالرقابة في إجراءات المنافسة والتوظيف من حيث أن الوظيفة مدرجة بجدول تشكيلات الوظائف، ووجود مخصص مالي معتمد، واعتماد وقت نشر إعلان التوظيف، ومتابعة تشكيل لجنة وفقًا لأحكام مجلس الوزراء بشأن المنافسة على الفئات العليا، ومحاضر اجتماعاتها وتقسيم العلامات وتوصياتها وتصديقا يليها التنسيب من مجلس الوزراء وصولًا لقرار التعيين.

إعلانات داخلية

وأكد جفال أن كافة وظائف الفئة العليا يتم الإعلان عنها لكن داخل المؤسسة العامة أو الوزارة؛ لأن الموظفين داخل المؤسسة العامة لديهم خبرة بالعمل الحكومي أكثر من غيرهم، وفي حال عدم وجود الشخص المناسب؛ يتم الإعلان عن الوظيفة لجميع المواطنين.

هذا ما أكده عدد من الموظفين في المؤسسات العامة الوزراية وغير الوزراية لمعدة التحقيق، فإعلانات التوظيف للمدارء العامين بالمؤسسة تتم داخليًا وكأنها حكر على موظفي المؤسسة، وهو ما يُخلّ بالمادة 26 من القانون الأساسي الفقرة الرابعة "للفلسطينيين الحق بالمشاركة السياسية أفراداً وجماعات، ولهم على وجه الخصوص الحقوق الآتية ومنها :تقلد المناصب والوظائف العامة على قاعدة تكافؤ الفرص".

اختلاف المرجعيات القانونية

وترى رشا عمارنة من هيئة مكافة الفساد أن المؤسسات الحكومية غير الوزارية،  تنشأ  بموجب قرار مجلس وزراء على أن تُنظم بقانون، وضمن الأمور التي ينظمها القانون آليات التعيين فيها من رئيسها وحتى أصغر موظفيها، فهناك استقلالية كاملة لبعض المؤسسات، وبالتالي فهم ليسوا موظفي خدمة مدنية كسلطة النقد منظمة بموجب قانون، فإن تعيين الموظفين فيها يصدر بموجب قانون خاص لسلطة النقد وهيئة سوق رأس المال، فهم لا يتبعون لقانون الخدمة المدنية، أما النوع الثاني من المؤسسات رغم استقلاليتها، لكنها تحمل  صفة موظف الخدمة المدنية، وهذا ما خلق نوعا من التضارب القانوني في التعيين من قبل مجلس الوزراء أو التعيين من قبل الرئيس بموجب مرسوم، لأن هذه المؤسسات حتى وإن نص القانون على أن التعيين فيها بموجب تنسيب من مجلس الوزراء، فإنك ستصطدم بقانون الخدمة المدنية الذي ينص على أن الفئة العليا يتم تعيينهم بقرار من الرئيس بناء على تنسيب من مجلس الوزراء.

وأضافت أن آلية التعيين يجب أن تكون قائمة على مبدأ تكافؤ الفرص، بناء على إعلان توظيف وإجراء منافسة بين المتقدمين للوظيفة وكل ما يتبع ذلك، وما يحدث في فلسطين يخضع لطريقتين في تعيين الفئات العليا: إما عن طريق الترقية، بأن يترقى موظفا ذو كفاءة وخبرة كافية لوظيفة شاغرة من الفئة العليا، أو أن يملأ الشاغر من خارج المؤسسة عن طريق إعلان توظيف والإجراءات الأخرى، وكلا الطريقتين  لاتمسان بمدأ الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص.

مناصب سياسية وسيادية ..ومغالاة!!

أما بخصوص تعيين الفئة الخاصة فقد علقت عمارنة أن الدول الديموقراطية فقط، هي من تعلن عن شاغر لرئيس مؤسسة عامة غير وزارية برتبة وزير، ووجهنا لها سؤالا عن مدى جدية أو صحة الإعلان عن وظيفة رئيس هيئة مكافحة الفساد بالجريدة؟ فأجابت أن هذه مراكز سياسية وسيادية مشيرة أن هذا نوع من "المغالاة" ، وإنما المشكلة تأتي بآلية التنسيب من قبل مجلس الوزراء، هل يتم اتباع إجراءات معينة للتنسيب واختيار هذا الشخص دون غيره؟ وهل خضغ لمنافسة مع آخرين وتفوقا عليهم فعلًا؟

وشددت على ضرورة وضع مجلس الوزراء لآليات تنسيب معينة تعتمد على اختيار أشخاص بكفاءة متقاربة للوظائف العليا، ولكن فإن آليات التنسيب غير واضحة،، ويعد أحد أشكال الفساد التي تتبعها هيئة مكافحة الفساد، هي الواسطة والمحسوبية التي يستغلها البعض لتعيين موظفين بالواسطة والمحسوبية، ووصلت إلى الهيئة العديد من الشكاوى المتعلقة بتعيين أقارب لمسؤولين نالوا وظائفا ومناصبا عدة بالفئات العليا وغير ذلك، وحققت الهيئة في بعض هذه الشكاوى، فتم إحالته للمحكمة وأخرين تم تصويب أوضاعها، و ألغيت مسابقات بعضهم ونُظم غيرها.

وأردفت عمارنة أن عملية التعيين عموماً خضعت للكثير من الإصلاحات؛ لكن مازالت  الفئات العليا تعاني من الخلل، ويمكن الحد من ذلك بوجود بطاقة الوصف الوظيفي، وإعلانا موحدا للتوظيف  وإحكام عملية التنسيب بإجراءات تضمن تكافؤ الفرص والشفافية.

تعيينات الرئيس غير دستورية

بلال البرغوثي المستشار القانوني للائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة أمان، قال إن عملية تعيين الوظائف العليا بقرار من الرئيس غير دستورية؛ لأن الرئيس غير مخوّل بهذه التعيينات، وهي من صلاحيات مجلس الوزراء، وقانون الخدمة المدنية الذي يتم اللجوء إليه في هذه الجزئية غير دستوري؛ لأن القانون الأساسي حدد صلاحيات الرئيس في التعيين وما دون هذه الصلاحيات التنفيذية هي لمجلس الوزراء، وفي هذا السياق لم يتمسك مجلس الوزراء بهذه الصلاحية، وحتى مسألة التنسيب في بعض الأحيان لا يتم الاعتداد بها إذا كان لمؤسسة الرئاسة اعتبارات أخرى، بمعنى أن كثيرا من التعيينات أصدرت بقرار من الرئاسة دون الرجوع إلى مجلس الوزراء.

وأضاف بلال البرغوثي أن الوكلاء والمحافظين وكبار الموظفين وإن لم يرد نصا قانونيا واضحا في تعيينهم فإن روح القانون، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي وقعت عليها فلسطين في المادة " 7" تنص على ضرورة اعتماد مبادئ الكفاءة، والشفافية، والمعايير الموضوعية، مثل: الجدارة، والإنصاف، والأهلية في نظم التوظيف والترقية، والإحالة للتقاعد للمستخدمين المدنيين وغيرهم من الموظفين العمومين غير المنتخبين، وبالتالي فإنه يجب أن تعتمد هذه التعيينات على الكفاءة، فالأولى بما أن الموظف العادي يخضع لجميع الاختبارات خلال توظيفه فالأصل أن رأس المؤسسة أيضاً، يجب أن يخضع لاختبارات: وذلك لأهمية مستقبل ومصير المؤسسة التي يرأسها.

ومن بين المشاكل التي تعانيها المؤسسات العامة غير الوزارية، هي تعدد المرجعيات القانونية فيها، بالتالي هذا يعطيها بيئة خصبة  لمظاهر الفساد، وغياب المساءلة بحسب بلال البرغوثي.

الأداء الوظيفي ..ترجمة قرار التعيين

إن ما يعبر عن التعيين هو الأداء الوظيفي بالفعل، فإذا كان الأداء الوظيفي منسجم مع بديهيات العمل فإن التعيين في مكانه، وأما إذا ظهرت علامات استفهام على الأداء الوظيفي، فإن ذلك أيضاً سيضع علامة استفاهم على آلية التعيين وفقاً لإبراهيم البرغوثي من مركز مساواة.

وفي محاولة للتواصل مع ديوان الموظفين من أجل معرفة حيثيات وإجراءات التوظيف في الوظائف العليا، رفض الديوان التعليق على موضوع التعيينات برمته، إلا أن رئيس ديوان الموظفين موسى أبو زيد قال خلال جلسة استماع عقدتها أمان إن نسبة شغل المناصب العليا بمساواة، واستناداً لمبدأ تكافؤ الفرص، ووفقاً للاجراءات والمعاييربلغت 97٪، مؤكدًا استناد الديوان في إجراءاته على قانون الخدمة المدنية، بالاضافة إلى اللوائح الصادرة من مجلس الوزراء عام 2012م.

ويتوجب على الديوان اتّباع ما ورد في المادة 17 من قانون الخدمة المدنية، وهو الحق بالتنسيب للفئة العليا الأولى كالآتي: يحق لرئيس الدائرة الحكومية التنسيب لمجلس الوزراء، بعدها يحال التنسيب إلى اللجنة الإدارية المكونة من مجموعة وزراء مختصين، يقومون بدراسة التنسيب إذا  ما جاوب على كل المعايير المعتمدة من مجلس الوزراء، ومن ثم إحالتها إلى مجلس الوزراء وبعدها إلى الرئاسة للمصادقة عليها، أما في توظيف الدرجة الثانية، والثالثة فيتوجب عليهم الخضوع لمسابقة ومقابلات فنية في سبعة حقول معرفية، وبرنامج تدريبي يمزج بين العملي والنظري، وآخر خارج الوطن لمدة عام من أجل استحقاق المطلوب.