دعاء شاهين
بدل أن تجلس الفتاة هالة الكرد (16 عامًا) بين مقاعد فصلها الدراسي بالمرحلة الثانوية كباقي زميلاتها، بقيت قابعة بين جدران منزلها المتآكل بفعل الرطوبة، بينما تعتليه ألواح "الزينكو" في مخيم الشاطئ الموازي للبحر غرب مدينة غزة.
وتعيش الفتاة ظروفًا اقتصاديّة قاسية، حُرمت على إثرها من الالتحاق بمقاعد الدراسة خلال العام الجديد؛ لأنها لم تتمكن من دفع الرسوم الدراسيّة المستحقة عليها، والتي تمثل كابوسًا أرهق كاهلها.
بدأت هالة تتحدث والحزن يعتريها قائلة لـ"نوى": "بدأ العام الدراسي متزامنًا مع مناسبات وأعياد تعاقبت علينا، لذلك لم يتبقَ مع والدي المال الكافي لدفع الرسوم، وحاولنا الاستدانة من أحد الأقارب لتوفير الرسوم المستوفاة، كي أتمكن من الالتحاق ببداية العام الدراسي لكني لم استطع فالجميع يعيشون أوضاعا متردية".
والتزمت الفتاة بالدوام المدرسي خلال أول ثلاثة أيام بالفصل التعلميّ لكنها توقفت بعد ذلك، فحسبما أفادت أنها اختارت ذلك حتى لا تشعر بإهانة كرامتها أمام زميلاتها بالفصل؛ لأن مربية فصلها مع بداية كل يوم تبدأ بمناداة أسماء الطالبات اللواتي لم يدفعن لإرغامهن على الدفع، أو تقديم المبررات في حال لم تدفع الطالبة، وقد تجمع من زميلاتها رسوما لها مما يوقعها في حرج أكبر.
وتبلغ قيمة الرسوم المستحقة التي وجب على الطالبة دفعها 50 شيكل، وبالكاد يستطيع والد الطالبة هالة الذي يعيل عائلته المكوّنة من سبعة أفراد، ويعمل في أحد المحلات التجارية لتوفير ما يحتاجه أبنائه من مصاريف مدرسيّة، وقرطاسيّة، وزياً مدرسياً، في الوقت الذي يحصل فيه على مقابل مادي بقيمة (20 شيكل) يومياً، ويستأجر مسكناً، إذ تشكل الرسوم المدرسيّة التي تفرضها وزارة التربية والتعليم، عبئاً اضافياً عليه.
كما طالبت الفتاة وزارة التربية والتعليم إلغاء الرسوم المدرسية مراعاة للأوضاع المعيشيّة الصعبة التي يعيشها قطاع غزة، خاصة في ظل خصومات الرواتب وارتفاع نسبة الفقر لأكثر من 60 % بين العائلات الغزيّة، حتى لا تتفاقم هذه المشكلة بشكل أكثر.
حسب القانون
لا تلتزم المداس الحكومية بما جاء في المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوف الإنسان، إذ ينص على: "أن لكل شخص الحق في التعلم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان".
كما أن القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية في المادة 24 يؤكد على "أن التعليم حق لكل مواطن، والزامي حتى نهاية المرحلة الأساسية على الأقل، ومجاني في المدارس والمعاهد والمؤسسات العامة وهذا مخالف لما تقوم به وزارة التربية والتعليم التي تفرض الرسوم المدرسية على طلابها الذي تحرم جزءاً كبيراً من الطلاب حقهم بالتعليم.
تحت مسميّات مختلفة برر معتصم الميناوي مدير العلاقات العامة والدولية في وزارة التربية والتعليم بقطاع غزة ما تتقاضاه الوزارة من رسوم من الطلاب/ات، معتبرا إياها طوعية وليست إجبارية، حيث أنّ هناك مصروفات لا تستطيع الوزارة توفيرها، سواء فيما يتعلق بأموال لصيانة المعدات المدرسيّة التي يعطبها الطلاب في كل عام مدرسي، إضافة إلى دفع فواتير مدرسية، فضلا عن الاجتماعات التي تعقد مع أولياء الامور، وكذلك توفير قرطاسيّة لهم.
وحول حرمان عدداً من الطلاب الذين لا يتمكنون دفع الرسوم من الالتحاق بالمقعد الدراسي وضّح أنها تجاوزات فردية من بعض المعلمات/ون، ويتم التعامل معها حسب تعليمات الوزارة.
وأكدّ أن الوزارة تعيش ظروفا سيئة لذلك لا تتمكن من إصدار قرار بمنع استيفاء الرسوم؛ لأنها حسب وجه نظره رمزيّة يدفعها أولياء الأمور من باب الجانب الوطني، متناسيّا الظروف القاهرة التي تعيشها الأسر، والتي لا تسطيع توفير قوت أبنائها اليومي من الزاد.
وأشار الى أن الوزارة تصدر برنامجا معينا للتعامل مع الطلاب/ات الذين لا يقدرون على الدفع، ويتمحور في اعفاء أحدهم في حال اجتمع أكثر من شقيق/ة في المدرسة الواحدة، أو عدم ارغام أبناء العائلات ميسورة الحال الدفع، وبيّن أن هنالك 30% من أصل 273 ألف طالب التحقوا بالتعليم من كافة المراحل الابتدائية، الإعدادية، الثانوية.
تبقى الرسوم المدرسيّة التي تفرضها الوزارة في حكومة قطاع غزة مثارا للجدل بين أوساط الطلبة الذين يعتبرون من حقهم التعلم المجاني، لا سيّما في ظل الوصع المزري الذي يعيشه غالبيتهم، وبين ما تراه الوزارة في أن الرسوم مبلغا ليس مرهقا ولا يجدر الإعفاء.
