المواطن "صقر" يتحرك بعجلين.. باحثاً عن حقه في التعويض
تاريخ النشر : 2018-09-19 08:57

غزة:

لم يكن ذلك الصباح الذي استفاق فيه المواطن أشرف صقر على صوت رنين هاتفه عند الساعة الخامسة والنصف فجراً، أواخر أيام العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2012 عادياً، ورغم تسارع ضربات قلبه إلا أنه رد بصوت مرتجف ليبلغه المتصل، بأن قصفًا إسرائيليًا طال العمارة المجاورة لمصنعه.

دفع الأربعيني أشرف كرسيه المتحرّك ليقترب أكثر، قائلا بصوت خافت: "لم يكن باستطاعتي التوجّه على الفور، فالحركة بالنسبة لشخص مثلي يعاني إعاقة حركية منذ العام 18 عاماً ليست سهلة، ولكن عندما ذهبت وجدت مصنعي الخاص بانتاج تابلوهات كهرباء، أثرًا بعد عين ووجدت غباره يملًا المكان وبعض ألسنة اللهب ما زالت مشتعلة".

وبنبرة حزينة يصف لحظة وصوله المصنع: "عندما رأيت المكان أصبت بالصدمة، تذكرت  آلاف الدولارات التي دفعتها خلال آخر مناقصة، بالإضافة إلى تدمير ماكينات العمل العشرة داخل المصنع، والمولد الكهربائي، ورأس المال المقدّر بـ"300 ألف دولار"، كل تعب العمر ضاع في لحظات".

أشرف هو أبٌ لعائلة يخشى بها على أطفاله من الجوع والفقر بعد تدمير مكسب رزقه، فقد كانوا أكثر ما سيطر على تفكيره عقب هذه الخسارة، ويتساءل كيف سيعيش صغاره بعد فقده للمصنع؟ وهل سيجد عملًا بديلًا في ظل وضعه الذي يفرض عليه البقاء على كرسيه المتحرك، وهل سيجد ما يعوضه أم من يعوضه؟

 كل هذه التساؤلات نهشت عقله بلا رحمة

أعاد أشرف رأسه للخلف ورجع بذاكرته قبل عدة سنوات، حين كان يعمل أجيراً في إحدى محلات صنع تابلوهات الكهرباء، يتلقى راتبًا أسبوعيًا بالكاد يكفيه وعائلته، ورغم ذلك قرر خوض التحدي في امتلاك مصنع خاص.

يضيف أشرف: "أنا رجل عصامي، بدأت من الصفر، واجهت الكثير من المعوقات حين قررت امتلاك المصنع، حيث باشرت بعمل بسيط بمساعدة سبعة عمال كنا جميعًا نعيش على ما ينتجه".

في آخر يومين من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2012، والذي استمر لثمانية أيام، كان الوفد الفلسطيني في القاهرة لمناقشة أمر التهدئة مع الاحتلال، وكل الأخبار كانت بهذا الاتجاه، لكن عاد الاحتلال لممارسة جرائمه وكنت أنا أحد الضحايا، لأشاهد بعيني تعب العمر وهو يدفن تحت الركام في لحظات.

بعد مرور عام كامل، استطاع أشرف أن يتجاوز تلك الصدمة ويفكر بالنهوض من جديد، مشيراً إلى أنه اقترض مبلغًا صغيرًا لاستئجار مكان غير مناسب لظروف عمله، لكن الحاجة دفعته للعمل في ورشة صغيرة وبمعدات شبه تالفة، لا يجني من ورائها إلا الربح اليسير كي يتمكّن من إعالة أسرته، وكان في انتظار تلقّي التعويض أسوة بالمتضررين من الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة.

 وقال أشرف: "حاولت المطالبة بحقي في التعويض طوال السنة التي تركت العمل بها، وأدركت التعب وطول المدة وراءالمطالبة بهذا الأمر، فلم أعد أتابع المطالبة إلا من خلال الهاتف، فصعوبة حركتي تمنعني من الذهاب المستمر لوزارة الاقتصاد أو إلى اتحاد الصناعات الذي طلب مني دفع 200$ كرسوم عضوية لإنشاء ملف تعويضات خاص بي".

وأضاف بقوله: "أما الوزارة فطلبوا مني تصوير المكان وتجريفه لإثبات وجود المصنع الذي يغطيه الركام، وتكلفت بنفسي كل هذه النفقات، بالرغم من وعد رئيس الوزراء اسماعيل هنية آنذاك بإعادة المصنع كما كان، ولكن بقي الحال كما هو".

عند فتح ملفات التعويض

مدير عام الإدارة العامة للصناعة ومسؤول ملف الأضرار الاقتصادية في وزارة الاقتصاد عبد الناصر عواد قال إن هناك (9030) منشأة قد تم تدميرهم خلال الحروب الثلاثة التي مرت على قطاع غزة، وقد بلغت الخسائر أكثر من 250 مليون دولار.

مضيفاً أن الوزارة  تلقت مجموعة من  المنح وُزّعت على المتضررين اقتصاديا، منها: منحة مجلس الوزراء برام الله البالغة 9 مليون دولار، وتوزعت نسبيا حسب الضرر الواقع، فأصحاب الأضرار البسيطة  بلغت قيمة تعويضهم 100$ لكل متضرر، ثم توقف الدعم وتم إقفال الملف.

وعند سؤال الوزارة عن ما حلّ بأشرف قال عواد: "إنه هو والكثير من المتضررين قد فتحت لهم الوزارة ملفات تعويض، وحولت هذه الملفات لبيانات مبوبة الكترونياً ليسهل التعامل مع الجهات المانحة وإرسال الملفات لهم، وبالفعل قد تم كتابة شيكات بالمستحقات التي قُدرت لهم".

وأضاف عواد: "ولكن تزامن توقيف تحويل المنح (القطرية، الكويتية) من بنك فلسطين برام الله إلى قطاع غزة قد عرقل صرفها، والتي كان من المفترض أن يحصلوا عليها بعد أشهر من العدوان على قطاع غزة".

وأكمل عواد: "أن المنح الكويتية والقطرية التي تم صرفها  لقطاع غزة  بإجمالي 8 مليون و600 ألف دولار للمنحة الكويتية، و وبنسبة 6 مليون دولار للمنحة القطرية، ولكن لم يُصرف منهما سوى مليون دولار، ثم منعت سلطات الاحتلال الاسرائيلي من إيصال تلك المبالغ  لقطاع غزة".

وأكّد عواد أن الوزارة كانت تتحمل نفقات إثبات الأضرار على حسابها ولولا اثباتها لتلك الخسائر لتمّ هدر حق المتضررين، مؤكّدا أن الجهات الأجنبية الداعمة ترفض التعامل مع الحكومة  في قطاع غزة؛ لأنها تعتبر معادية للعديد من الجهات،  فينحصر دور الوزارة بتوثيق الأضرار والتنسيق مع تلك المؤسسات وتزويدهم بالمعلومات اللازمة، مثل: الغرف التجارية، واتحاد الصناعات، ويبقى دور الصرف على الجهات المانحة (UNDP).