ممّا لا شكّ فيه أن استمرار البيئة والمؤثرات السلبية على بنية السلطة الفلسطينية وأعمالها، أمرًا زاد من التحديات أمام تحصين نظام النزاهة الوطني، هذا ما أظهره تقرير ائتلاف السنوي حول واقع النزاهة ومكافحة الفساد للعام 2017، فقد استمرت سياسات الاحتلال الإسرائيلي العدوانية الممنهجة، من نهب وتحكم بثروات الشعب الفلسطيني وموارده، هذا بالإضافة لاستمرار تأثير الانقسام الداخلي وعدم إتمام المصالحة الداخلية الفلسطينية، على الحياة العامة للمواطن الفلسطيني.
وما زاد من سوء الأوضاع استمرار سياسة تراجع وتقليص التمويل والمساعدات الدولية للسلطة الفلسطينية، وتراجع إضافي لدور المجلس التشريعي، مترافقاً مع استمرار تراجع دور السلطة القضائية الرقابي. وترافق ذلك كله مع ضعف الرقابة على إدارة المال العام والمساءلة على الإنفاق العام، واستمرار التعيينات في الوظائف العليا، دون الالتزام بقيم ومبادئ النزاهة فيها، ودون الاحتكام إلى معايير واضحة وبطاقة وصف وظيفي، ودون تكافؤ الفرص في هذه التعيينات. غير أن زيادة تردي الأحوال الاقتصادية للمواطنين، وخاصة في قطاع غزة، تفشت مظاهر الفساد في الغذاء والدواء والتنافس على الوظائف، وكل هذا ترافق أيضاً مع تباطؤ وتلكؤ في تنفيذ الاستراتيجيات القطاعية وأجندة السياسات الوطنية المعلنة من قبل الحكومة، ما عكس تردد الإرادة السياسية في مكافحة الفساد.

وقال المدير التنفيذي لائتلاف أمان مجدي أبو زيد إن المؤتمر يأتي في ظل تراجع انفتاح الحكومة على المجتمع المدني وتراجع في توفير المعلومات المتعلقة بالمال والشأن العام، إلا أن ذلك لم يمنع ائتلاف أمان من مواصلة عمله الرقابي على الأداء والإنفاق الحكومي والعمل على تشكيل رأي عام ضاغط من اجل تبني إجراءات محصنة ضد الفساد وسياسات مالية للسلطة الفلسطينية ترتكز على الشفافية وتحقق العدالة الاجتماعية، مشيرًا إلى أن ائتلاف أمان قاد خلال عام 2017 عملية تعزيز الحكم الرشيد في هيئات الحكم المحلي في ليبيا من خلال العمل على إعداد نظام النزاهة الوطني لسبع هيئات محلية ليبية، كما دُشنت نتائج نجاحات ائتلاف أمان خلال العام من خلال منحه جائزة ابن رشد الدولية للفكر الحر لجهوده المتميزة في مجال مكافحة الفساد على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، متسائلا عما سيكون عليه الوضع في حال لم يكن ائتلاف أمان موجودا ردا على ما يتكرر من الحديث عن "ماذا فعلتم أو ماذا أنتم فاعلون والفساد يزيد منذ أن بدأتم؟"

بدوره، شدّد رئيس مجلس إدارة ائتلاف أمان عبد القادر الحسيني على أن عام 2017 شهد تناميا خطيراً للفساد السياسي تمثلَ في تسييس التشريعات والقرارات كأحد افرازات الانقسام السياسي، الامرُ الذي كان له تداعياتٌ خطيرة وكارثية على معيشة المواطنين وكافة مناحي الحياة خاصة في قطاع غزة، مؤكدا ان الظروف الصعبة التي يمر بها شعبنا تستدعي وقفة جادة من القيادة الفلسطينية لتبني سياساتٍ وتدابيرَ تتمتع بالمزيد من الشفافية والعدالة، آملا ان يساهم التقرير بتوصياته في مساعدة صناع القرار على تذليل الفجوات والتحديات في منظومة النظام الوطني للنزاهة.

وفي ذات السياق ركز عضو مجلس إدارة ائتلاف أمان في قطاع غزة عصام يونس على غياب وجود هيئة متخصصة في مكافحة الفساد ما أثار التساؤلات حول عدم قيام المجلس التشريعي في غزة بتطبيق قانون مكافحة الفساد وجعل جهود مكافحة الفساد مبعثرة.
وشدد يونس في مداخلته على مظاهر الفساد السياسي كالقرارات التي صدرت بخصوص التقاعد المبكر، وصرف الموظفين العموميين والعسكريين، وما يتعلق ببعض قرارات الحكومة والتي جاءت كإجراءات عقابية ضد قطاع غزة وناسها، لافتا إلى وجود اشكاليات انتابت حالة وواقع المساءلة في قطاع غزة سيما بعد بدء استلام حكومة الوفاق لمهامها وادماج بعض المؤسسات المدنية كالتعليم والصحة، مع استمرار وجود قطاعات غير مندمجة بعد، خاصة قطاع العدالة، الامر الذي أدى إلى تضارب الصلاحيات وتداخلها، وعدم وضوح خطوط المساءلة، وزيادة الإفلات من العقاب.

تطورات إيجابية وتحسن في بعض مجالات نظام النزاهة الوطني
ورغم استمرار البيئة غير المواتية لمكافحة الفساد، بيّن التقرير أن عام 2017 لم يخلُ من بعض الممارسات الإيجابية كتبني الحكومة "لأجندة السياسات الوطنية، والتي حملت شعار (المواطن أولا) كوثيقة رسمية التزمت بمبدأ تعزيز المساءلة والشفافية في ترشيد إدارة المال والشأن العام.
من جهة ثانية، طرأ تحسن على منظومة المساءلة في بعض الجوانب كان أبرزها إجراء الانتخابات المحلية في الضفة الغربية، فيما عطلت حركة حماس إجراءها في القطاع، بينما نشرت النيابة العامة في غزة الدليل الإجرائي للعاملين في دائرة الشكاوى فيها والذي ينظم استقبال شكاوى الجمهور.
من جانب آخر، شهد نظام النزاهة الوطني تحسنا في بعض الجوانب كقيام ديوان الموظفين العام بإعداد الخطة الاستراتيجية الوطنية للخدمة المدنية 2017 – 2022" واستكمال "بطاقات الوصف الوظيفي" لعدد من الوظائف العامة وتحديد الوظائف الحساسة التي تستدعي التدوير الوظيفي عليها باستمرار.

فيما يتعلق بمبادئ الشفافية طرأ تحسن على شفافية بعض المواقع الإليكترونية الحكومية ومضمون ما تقدمه من معلومات وخدمات للمواطنين، وظهر ان معظم الوزارات في الضفة وغزة لها مواقع إلكترونية يسهل الوصول إليها، وهي متاحة باللغة العربية. أما في الجانب المتعلق بإدارة المال العام فقد طرأ تحسن تمثل باعتماد البوابة الموحدة للمساعدات الاجتماعية بهدف توزيع المساعدات لأكبر عدد ممكن من الأسر المحتاجة والفقيرة ودون ازدواجية.
فوضى في اصدار القوانين.. وتقييد لدور الاعلام في المساءلة
فعلى صعيد القضاء والتشريع كانت أبرز التحديات عدم إنجاز عملية الإصلاح بعد إصدار الرئيس مرسوما بتشكيل "اللجنة الوطنية لتطوير قطاع العدالة" بالإضافة الى استمرار حالة الفوضى والتسرع بإصدار قرارات بقانون في ظل غياب المجلس التشريعي، جاء جزء منها ضمن المناكفات السياسية بين حركتي فتح وحماس في كل من الضفة وغزة، أو بسبب تدخل المصالح الشخصية لبعض المتنفذين، بالإضافة الى تشريعات وممارسات رسمية حدت وقيدت من دور الإعلام في عملية المساءلة.
تراكم في عدد التقارير غير المصدرة صعّب من المساءلة الفعلية على إدارة الشأن العام
كما وتجلى القصور في نظم المساءلة في عدم وجود وحدات شكاوى حتى نهاية عام 2017 على المواقع الالكترونية لوزارة المالية والتخطيط ووزارة الشؤون الخارجية وشؤون المغتربين. بالإضافة إلى استمرار عدم إصدار وزارة المالية والتخطيط التقارير المالية بانتظام، وبشكل خاص عدم إعداد الحساب الختامي على الموازنة العامة لموازنات عامي 2014، 2015، ما انعكس سلبا على عملية المساءلة الفعلية عما تم إنفاقه وصعّب من التحقق من مدى الالتزام بقوانين الموازنات المقرة.

تحديات في مجال الشفافية تمثلت في الانغلاق عن المجتمع وحجب المعلومات أو محدودية نشرها
احتوى تقرير واقع النزاهة ومكافحة الفساد لعام 2017 على تفصيلات توضح استمرار الضعف في مجال الشفافية وعدم الالتزام بمبادئها، نتيجة لضعف الإرادة السياسية نحو الانفتاح على المجتمع، كرفض رئاسة الوزراء التوقيع على " تعهد الشفافية" المعد من ائتلاف المؤسسات الاهلية الدولية، والذي ينص على ضرورة تحلي الحكومة بالشفافية فيما يتعلق بالاستعراض الدوري لمدى التزامها في الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد واشراك المجتمع المدني في عمليات الاستعراض.

أما في قطاع غزة، فلم تنشر معظم الوزارات تقاريرها السنوية وخططها الاستراتيجية ولم يقم ديوان الرقابة المالية والإدارية في غزة بنشر أي من تقارير التدقيق على الحساب الختامي أو التقارير الرقابية أو السنوية الأخرى وذلك لخشية النظام القائم في قطاع غزة من استخدام ما ينشر كمادة للمناكفات السياسية.
430 بلاغا وشكوى لهيئة مكافحة الفساد.. 9% فقط منها حولت الى النيابة
وعن واقع قضايا الفساد في عام 2017، فقد ورد إلى هيئة مكافحة الفساد 430 بلاغا وشكوى (حتى تاريخ 6/12/2017) تابعت نيابة مكافحة الفساد 38 قضية منها، أي ما نسبته 9% من إجمالي القضايا التي وصلت إلى هيئة مكافحة الفساد. وحولت النيابة 21 قضية الى محكمة جرائم الفساد، وتعاملت مع 42 قضية مدورة من أعوام سابقة.
توصيات تهدف إلى تعزيز نزاهة الحكم، والشفافية والمساءلة في إدارة المال العام، وتوحيد جهود مكافحة الفساد
على صعيد تعزيز نزاهة الحكم والإدارة العامة للحكومة، طالب ائتلاف امان في تقريره السنوي جميع الاطراف السياسية في الضفة والقطاع الاسراع في تنفيذ إنهاء الانقسام وتمكين حكومة الوفاق الوطني من القيام بعملها في قطاع غزة وحل مشكلة الموظفين العالقة.
أما على صعيد تعزيز شفافية إدارة المال العام فأوصى ائتلاف أمان الحكومة بفتح ملف عدم شفافية الاجراءات المالية مع الجانب الإسرائيلي الذي يتلاعب بالأموال الفلسطينية، وضرورة نشر جميع الاتفاقات التي توقعها الحكومة نيابة عن الفلسطينيين.
وفيما يخص تعزيز المساءلة في إدارة الشأن العام أوصى التقرير الحكومة الفلسطينية بالتشاور مع أصحاب العلاقة من اجل إعداد قانون خاص بالامتياز وقانون المنافسة ومنع الاحتكار.
وعلى صعيد تعزيز جهود مكافحة الفساد شدد التقرير على ضرورة قيام الحكومة بتبني وإقرار "الخطة الوطنية الشاملة عبر القطاعية للنزاهة ومكافحة الفساد"
