بدت الشابة إسراء "28 عامًا" كفراشة وهي تتسلق حبالًا من حرير وتصعد إلى أعلى ثم تتقلب داخل القماش كما تفعل نجمات السيرك، وتعود للهبوط من جديد، فتحمل حلقات تنفذ بها حركات بهلوانية تدرّبت عليها لأسابيع طويلة قبل أن تتقنها، تبتسم ومن ثم تأخذ مكانها سيدة.
في مركز الصحة النفسية والجسدية، الذي افتتحته جمعية عايشة لحماية المرأة والطفل مؤخرًا، لتنفيذ مشروع تستثمر فيه رياضة السيرك والألعاب الحركية كأحد أشكال التفريغ النفسي للنساء لأول مرة في قطاع غزة؛ تتدرب فيه حاليًا نحو 30 سيدة تم تحويلهن من الجمعية، بعد أن عملت مدربتان إيطاليتان على تأسيس الفريق الأول من المدربات.
قاعة رياضية واسعة احتوت احتياجات ألعاب السيرك واليوجا، مكوّنة من أربع أعمدة من قماش الحرير المخصص للتسلق؛ أسفله فرشة الأمان ذات اللون الأخضر الفاتح، وحلقات دائرية وحلقات الهيلاهوب المخصصة للألعاب الحركية، وكرات الرمي، إضافة إلى الشموع الخاصة باليوجا، تصطف نحو 15 سيدة يمارسن هذه الألعاب، بعضهن أتقنّ الأداء وأخريات ما زلن يحاولن مرات ومرات مصممات على الإتقان.

ما إن انتهت إسراء من تمرينها حتى قالت لنوى وهي تبتسم: "عندما التحقت بالتدريب لم أتصوّر أنني سأنجح إلى هذا الحد، للوهلة الأولى بدت الأمور صعبة ولكن بالتدريب المستمر أتقنتها فالأمر مرتبط بالإرادة"، وتضيف إنها تجد في هذا التمرين متنفسًا يخرجها من الضغط النفسي، فالرياضة هي تمرين للروح والجسد في آن معًا.
إسراء، شابة استشهد زوجها عندما كانت تبلغ 18 عامًا، وبقيت حتى الآن تربي طفليها في مواجهة ضغوط اجتماعية ونفسية مختلفة، لكنها صممت على المواجهة، وعندما طرحت جمعية عايشة فكرة تدريب السيرك وافقت دون تردد.
تقول المدربة أمل خيال إن الفكرة التي تنفذها جمعية عايشة تستند إلى إيجاد مساحة خاصة للنساء يمارسن من خلالها التفريغ النفسي وهو مركز للإفادة النفسية والجسدية، إذ تم ربط الألعاب الهوائية والحركية والسيرك واليوجا بالراحة النفسية.
توضح خيال وهي تعمل في جمعية التعاون الدولي جنوب الإيطالية التي تنفذ المشروع مع جمعية عايشة؛ إن المتدربات هن مجموعتين من 30 سيدة إضافة إلى مجموعتين من الطفلات والمراهقات، يحاول من خلالها المركز ربط الرياضة بالتفريغ النفسي والنساء واعيات لأهميتها، وحرصت عايشة على أن تكون المجموعة الأولى من المدربات أخصائيات نفسيات أو خريجات تربية رياضية.
لم تكن النساء تتوقع إتقانهن لهذه الرياضة كما تؤكد خيال ولكن بالممارسة المستمرة وجدوا الامر ممتعًا بالنسبة لهن، بل وإن طموحهن زاد باتجاه إتقان المزيد من الحركات الصعبة، مع وجود فوارق ذات علاقة باللياقة البدنية.
وبينما يمر بمرحلة اختبارية، إلا أن نجاح التجربة وإقبال النساء على التدريب يجعل المؤسسة تفكر في توسيع التجربة باتجاه المزيد من المشارِكات، فقد أصبح المكان علاوة على الرياضة مهم للتفريغ النفسي وتقريب الصلة بين النساء.

دينا الضاني "34 عامًا" إحدى النساء المتدربات أنهت لتوّها التأرجح من خلال حبال الحرير، تقول لنوى: "لم أفكر مسبقًا في الأمر ولكن لم أتردد حين طرحته الجمعية، قلت هي تجربة جديدة ولم لا"، تضيف إنها التحقت بالتدريب في يومه الثاني، لكنها تشعر بسعادة حقيقية بعد أن وجدت نفسها تمارس حركات كانت فقط تراها على التلفزيون.
دينا هي امرأة منفصلة تدرس حاليًا خدمة اجتماعية وتجد من الرياضة متنفسًا حقيقيًا، وتؤكد أهمية أن تسعى ربات البيوت أيضًا لممارسة الرياضة، فالعمل المنزلي يؤدي إلى آلام في العظام وتحتاج الرياضة من أجل معالجتها ولزيادة ثقتها بنفسها وتحقيق الراحة النفسية.
أما علا القصبغلي والتي بدت شديدة المرونة فتؤكد أن الرياضة تحقق للنساء الراحة النفسية، صحيح أن ممارستها ليست سهلة في البداية، ولكن بمرور الوقت سوف تتقن النساء ما ما يعتقدن أنه صعب، وتشير إلى أن التدريب هو يوم في الأسبوع ولساعتين وهذا يعني أنه يتوافق مع السيدة ربة البيت بل ويعطيها المزيد من القوة والنشاط.
عادت النساء من جديد للتدريب والقفز على الحبال وحمل الكرات وإلقائها في حركات بهلوانية رائعة، روح المرح والسعادة البادية على الوجوه توحي بأن لدى النساء الكثير من الطاقة التي تحتاج من يكتشفها ويقدم المساعدة في مكانها الصحيح.
