قطاع غزّة
عند السّاعة الثامنة وثلاثين دقيقة مساءً تقريبًا؛ رنّ جرس الهاتف "ألو، سمر؟ نعم تفضل.. أنا فلان الفلاني من الشؤون المدنية، الساعة السادسة صباحًا كوني على باب مقر الشؤون في غزّة والتزمي بإجراءات المرور من حاجز إيرز رجاءً، وبالطبع تعرفينها، ومبروك!" مكالمة سريعة لم تأخذ دقيقتين، لطالبة جامعية جمّدت أطرافها من وطأة الخبر.. أخيرًا، سيتحدّد مصيرها بعد أن علّق على بوابتين إحداها في الشمال وأخرى في الجنوب.
"لم تكن معركة الخروج عن حاجز "إيرز"/ معبر بيت حانون أسهل من تلك الدائرة على معبر رفح في الجنوب، لا فرق بينهما، فهما غولين يفترسانا مع اختلاف الطرق، فعلى الجانب المصري مسلسل رعب، يخيل لك أنهم يرونك بقرة حلوب، يحلبونك المال ويحلبونك الكرامة، يحلبونك إنسانيتك وهم يتلذذون بذلك، تمامًا كما حدث مع أصدقائي ومعظم من يخرج من المعبر. أمّا إسرائيل؟ فتتأكّد أنه تم تجنيس الذل عندها وجعلته فلسطينيًا بامتياز، تشاركها الأردن لتخصّصه وتثبت أنه غزاوي" هكذا تروي سمر أدهم التي تبلغ 28 عامًا، حكايتها "البائسة" في السفر بعدما حصلت على منحة دراسية في بريطانيا.
وبتفصيل الحديث عن رحلة السفر من الشمال عبر حاجز "إيرز" الاحتلالي، كان لزامًا عليها قبل استصدار التصريح الإسرائيلي التقديم للحصول على "عدم الممانعة" لدخول الأردن ومنها الانطلاق إلى بريطانيا، قائلة "استسهلت الأمر في البداية ولم أكن أعلم الأردن شريكة في حصار غزّة، قدمت طلبي الأول في الحصول على عدم الممانعة ودفعت 50 شيكلًا، وبعد 45 يوم بالتمام والكمال وصلتي رسالة اعتذار من السفارة طبعًا من دون ذكر أسباب، تواصلت مع بعض الجهات المسئولة والوساطات من هناك نصحوني بتقديم أوراقي مجدًدا مع الفيزا وقبول الجامعة بطلب سريع دفعت مقابله 130 شيكل إسرائيلي وبالفعل وصلني رد بعد أسبوع بالقبول أي استغرقت العملية حوالي شهرين".
بحسب وليد وهدان الناطق باسم الشؤون المدنية، يفيد بأن عدد الطلاب الذين حصلوا على تصاريح مرور في مدة لا تتجاوز اليوم الواحد بلغ 73 طالب فقط من أصل 377 طلب قدّم في العام 2016، حوالي 65% منهم لا يزال قيد الفحص منذ عامين، بينما وافقت إسرائيل على 205 طلب خروج من أصل 776 للعام 2017 وغالبيتهم قيد الفحص منذ بداية العام حتى اليوم باستثناء عدد قليل قوبل بالرفض.
وفي المرحلة الثانية تضيف سمر: "وصلنا إلى مرحلة استصدار التصريح الإسرائيلي، أعرف هنا أن الإجراءات معقدة وأن مدة الفحص ستصل إلى شهر تقريبًا، فبعد مرور شهر على التقديم صرت أحوم كذبابة في كل زاوية من شوارع غزة القريبة من مقر الشؤون المدنية، أرن على تلفون هذا وذاك لدرجة أنهم كرهوني، أحيانًا يجيبون أن لا رد وحينما يحدث سيتواصلون معي وأوقات كثيرة لا يجيبون نهائيًا. مرّ شهرين، يدّق قلبي مساء كل اثنين وأرتجف كلما هاتفني رقم غريب وأتساءل أيعقل أن يكون من الشؤون المدنية؟ وطبعًا يخيب ظني حتى فقدت الأمل وبدأت بالانعزال على نفسي في الحقيقة حتى صار ما تمنيته في اليوم السبعين، عندما فقدت الأمل، حتى بعد الاتصال تجمدّت أطرافي وبدأت أتساءل هل سأسافر حقًا؟ أم لم يعد جدوى لذلك بعدما أن مرّ شهران على الدراسة وبقي لدي أيام معدودات لانتهاء الفيزا؟ لم أصدّق نفسي حتى طرت ووصلت مع عدم رغبتي برواية الفصل الثالث من مرارة المرور على هذا الحاجز! "
سبعون يومًا سبقها خمسٌ وخمسون يومًا آخر في الانتظار.الانتظار في غزّة هو زمنٌ متوقّف، زمنٌ معلّق، يفصله الثلاثاء من كلّ أسبوع، فهو ليس يومًا عاديًا بالنسبة لمئات الطلبة الفلسطينيين العالقين في القطاع. إنه يوم الفصل، أو يوم الحسم! يوم حسم ما بين حياة تختلف تمامًا عن الحياة هنا- في غزّة -.
"أنا عالويتينج/ الانتظار"
تسعون يومًا مرّت على تقديم الطالب عمر إبراهيم 26 عامًا طلب استصدار تصريح إسرائيلي للخروج عبر ذات الحاجز "إيرز" نحو تونس بعدما حصل على منحة تدريبيّة حتى ظل على "الويتينج" كما يقول. الانتظار المرهق، لا مقبول ولا مرفوض، حين يتوقّف عداد الزمن وتذوب روح الإنسان بصمت. فالإجراءات ذاتها، والمحاولات ذاتها، "ألو؟ ما صار جديد بتصريحي؟ هلا يابا، لا والله يا خال لسه عالويتينج، طب في أمل؟ يا اخي قول إنشالله" حوارات متكرّرة بين الطالب والمسئول.
ما بين معاناة الحصول على المنحة، وما بين التسجيل على معبر رفح وما بين الحصول على عدم الممانعة التي تنهش جزءًا ليس بهينًا من داخلنا، "فما حاجتنا لها وهو مجرّد مرور من الأردن لن يستغرق بضع ساعات؟" يتساءل ويتابع "تصل مرحلة الاستنزاف باستصدار التصريح، فيا ليتهم يجبون بالرفض علّني أرتاح! مساء الاثنين وصباح الثلاثاء أكره ما يمكن للطلبة العالقين أمثالنا احتمالهما. الجامعة في الخارج تتفهم تعقيدات خروجنا من غزّة، ولكن هل سأنجز بعدما مرّ سبعة أشهر على بدء الدراسة؟ بالطبع لا. أنا فقدتها واستسلمت.. وفعليًا صرنا اليوم غرقى نحاول العبور إلى حياة أفضل وأقل موتًا دون جدوى.."
تقول جمعية حقوق الإنسان "ﭼيشاه – مسلك" _ مركز الدفاع عن حرية الحركة إن إطالة كبيرة لمدة معالجة طلبات تصاريح الخروج عبر الأراضي المحتلة، حتى بهدف الوصول إلى الضفة الغربية أو السفر إلى الخارج عبر جسر "أللنبي". وتصل هذه المدة في بعض الحالات إلى 70 يومًا، فيما بقيت عشرات آلاف الطلبات معلقة دون الرد عليها. كما منعت السطات الإسرائيلية الفلسطينيين من التزوّد بالطعام أو مستلزمات النظافة الشخصية، وكذلك أي أجهزة إلكترونية، عدا الهاتف الشخصي، عند خروجهم عبر حاجز "إيرز".
ولا تقتصر معاناة الطلبة عند هذا الحد، إنما تمتد بابتزازهم على الحاجز وأبرز أشكاله في إجبارهم على توقيع ورقة بعدم الرجوع إلى غزّة لمدة لا تقل عن العام، وإلا "لن تسافروا"، وبالطبع؛ يدرك الاحتلال جيدًا بعد رحلة المعاناة التي يمر بها الطلبة سيوقعون على الورقة، ليس فقط هروبًا من جحيم غزة ولكن لهاثًا خلف مستقبل يستحقونه
