غابت دنيا، وحطّ النعش. راح بسّام إلى مثواه الأخير وحيدًا، من دون أن تمسح على رأسه شريكة روحه وراحته. صارت تحوم في زوايا البلاد التي ضاقت عليها، البلاد التي علقت بها وعلّقت أرواح الفلسطينيّين فيها، أم الدنيا التي لم تعد تكترث بأبنائها حقًا. بين مصر وغزّة، روحًا دفنت تحت التراب وأخرى ضلّت تناجي السّماء بلقاء أخير، دون جدوى. دون رحمة.
هتافات متطايرة وحشد من النّاس، ونعش ممدّد على أكتاف المُحبّين، يمشون نحو مثواه الأخير، هكذا كان المشهد على شاشة دنيا التي راحت تردّد "إلى الملتقى يا أنبل إنسان في حياتي والعزاء فوق أي كلام".
جلطة قلبية مفاجئة انتزعت بسام الأقرع من عائلته التي تفرّق شملها بسبب إغلاق معبر رفح البرّي، حيث كان مقررًا أن تعود الكاتبة إلى غزة قبل أيام قليلة، لكن أحداث سيناء الأمنية دفعت بإغلاقه مجددًا حسبما تذرعت السلطات المصرية, ليعلن مساء الخميس وفاة الناشط الحقوقي ومدير التدريب في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بسام الأقرع (55 عاما)، إذ تودّع فلسطين أحد الرموز العاملة في مجال حقوق الانسان، العضو المؤسس لمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، الذي بدأ نشاطه الحقوقي من داخل سجون الاحتلال.
وحين يتعلّق الأمر بمعبر رفح، تُعرف القصص من بداياتها. ثمّة شيء يجب على الفلسطيني المقيم في غزّة معرفته، هناك شيء سيخسره في هذا الطريق، طريق الخطّ الفاصل، طريق الحدود الملغّمة، يظلّ يترنّح ويظلّ يتحسس قلبه وجسده ويقرأ القرآن كلّما همّ بلقاء جندي مصري أو عبر على حاجز، وصل مصر أم استطاع مغادرتها.
لم تكن تعلم دنيا أنها ستدفع ثمن سفرها بصورة مرعبة هذه المرّة، لم تكن أقل رعبًا فيما لو سلّمت مستقبل ابنتها التي سافرت من أجلها وبقيت هنا، في غزّة البائسة.
يدوّن الفلسطينيّون في غزّة قصّة جديدة في عمر الحصار، من الجهة المصريّة، سبقها مئات الآلاف من القصص المعلقة على البوابة التي يأكل الصدى حوافها، تفوح رائحتها العفنة تارة، وتحكم إغلاق البلاد المطبقة على صدور سكّانها المليونين تارة أخرة.
وفي رثاء الأصدقاء للفاضل بسّام، وتعاطفًا مع الكاتبة لم ينفك النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن الكتابة لهما. "جاءت دينا الأمل إسماعيل لتزرع شتلات من الأمل بنجاح ابنتها والتحاقها بكلية طب القصر العيني وعند عودتها لغزة وقف المعبر الذي أغلقوه فجأة فحال دون عودتها لوطنها. والليلة يأتيها خبر وفاة زوجها أيضا فجأة فهل يرحموا أم وزوجة ويمنحوها الوداع الأخير لزوجها. لك الله يا غزة ودعواتنا بالرحمة والصبر لصديقتنا في مصابها اللهم أرحم زوجها واربط على قلبها واغفر لفقيدها وتولها هي وعائلتها فأنت نعم المولى ونعم النصير وإنا لله إنا إليه راجعون" تكتب زينات أبو شاويش.
وفيما كتب حاتم السلطان " كان اسمها دنيا الأمل...أصبح اسمها دنيا اليأس والعذاب...سافرت أرض الكنانة لترافق أبنائها الطلاب... تلقت نبأ موت زوجها الذي عن عينها رحل وغاب...بكت وذرفت دموعها لفراق أغلى الأحباب...أرادت العودة لوداعه قبل أن يواري جسده التراب... وجدت المعبر مقفلاً وكان موصد الأبواب...ناشدت كل المسئولين فجعلوا من توسلها سراب...ماتت في قلوبهم الرحمة وأصبح لهم مخالباً وأنياب...دمروا الوطن العربي وقضوا على مستقبل الشيوخ والشباب...قتلونا والموت واحد مهما تنوعت الأسباب....لي سؤال واحد أريد ان اعرف له جواب...هل كل فلسطيني محكوماً عليه بالموت البطئ وعلى بيته بالخراب ؟؟!...وأخيرا أدعو الذي بسط الأرض وسير السحاب...أن يتغمد فقيدنا بسام برحمته يوم الحساب.... واشكر كل من ترحم عليه وعمل لمنشوري إعجاب".
وانتقدت الكاتبة أسماء الغول عدم قدرة سفارة فلسطين بالقاهرة من تلبية نداء دنيا التي ناشدت جميع الجهات المسئولة بضرورة مساعدتها للعودة إلى غزة قائلة "بعد ما حدث مع المواطنة والكاتبة دنيا الأمل العالقة بالقاهرة وعدم قدرتها على وداع زوجها اثر وفاته بشكل مفاجئ، بغزة، ومن ثم دفن أحد أفراد عائلة حلس بمصر لأن المعبر لم يفتح لعودة جثمانه، ناهيك عن عشرات العالقين في مطار القاهرة بـوضع سيء، أقل شيء يجب ان يحدث مقابل هذا العار هو استقالة سفير السلطة الوطنية بالقاهرة".
