نباشو النفايات،، لقمة العيش المحاطة بالموت
تاريخ النشر : 2018-02-15 16:08

غزة-نوى-شيرين خليفة:

وسط آلاف الأطنان من النفايات في المكب الرئيسي لمدينة غزة؛ يجري عشرات الفقراء من نبّاشي القمامة خلف كل شاحنة تقّلب هذه الأكوام من أجل الحصول على "بضاعة" تضمن قوت أطفالهم، فمقابل القليل مما يصلح للاستخدام من بلاستيك ونحاس وألومنيوم، تختزن أجسادهم الهزيلة عشرات الأمراض.

يزاحمون آليات النقل العملاقة متناسين رغمًا عنهم خطورتها على حياتهم إضافة إلى رصاصات الموت، تلك القادمة من مواقع الاحتلال الإسرائيلي القريبة المتاخمة للحدود الشرقية للقطاع حيث تتمركز آلياته، إذ يقع مكب النفايات الذي يستقبل نحو 230 ألف طن سنويًا في قرية جحر الديك أقصى جنوب شرق مدينة غزة.

بانتظار الموت

لفّ محمد الهركلي يده المجروحة بأوراق المحارم ليوقف الدم عن النزف، ثم عاود مرة أخرى النبش في آلاف الأطنان من النفايات المتكدّسة في المكب، تجاهل الرجل الثلاثيني جرحه وسرعان ما جرى خلف كباش ضخم يقّلب النفايات لجمع بضع قطع من البلاستيك أو ربما ما يصلح للاستخدام.

ويعمل الرجل وهو أب لأربعة أبناء في هذه المهنة الخطرة صحيًا وأمنيًا منذ نحو عشر سنوات لتوفير لقمة العيش له ولأبنائه الأربعة، بعد عجزه عن إيجاد أي فرصة عمل في مجتمع تجاوزت نسبة الفقر فيه 62%، فأين سيذهب وكل القطاعات طالها الانهيار الاقتصادي شبه التام.

يقول الهركلي لنوى :"كنت أعمل موظفًا في السلطة الفلسطينية دفعة 2005، وحين حدث الانقسام قطعوا راتبي بدعوى إني أتلقاه من البريد الذي سيطرت عليه حماس"، ويضيف الهركلي أنه لا يشعر بالخجل من مهنته فهو يعمل ليستر أسرته، لكنه في ذات الوقت يعاني من مشاكل صحية بسبب تواجده الدائم في مكب النفايات، ويضطر إلى استخدام مسكنات الآلام بشكل مستمر ليسيطر على أوجاع ويواصل العمل.

أكل العيش مر

"أكل العيش مر"، بهذه العبارة استهل أحد زملائه- طلب عدم ذكر اسمه- الحديث لنوى، مؤكدًا إنه يبحث في المكان عن نحاس وأولومنيوم وبلاستيك يبيعها للتجار، هو لا يدري بماذا تفيدهم ولكن على الأقل يحصل على مبلغ 30 شيكل تسدّ قوت عائلته المكوّنة من زوجة وطفل.

ويوضح الشاب العشريني أنه كان يعمل بائعًا للخضار ولما "انكسر السوق" بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وما عاد هناك إقبالًا على أي بضاعة اضطر للجوء إلى مكب النفايات علّه يجد فيه أملًا أخيرًا ولو تحت كل هذه الظروف من الخطورة، لكنه كما يؤكد يتخذ احتياطات مناسبة كي لا يتعرض للخطر، إلا أن هذا لم يمنع تعرضه للجروح عدة مرات.

جولة في المكب الذي افتتح عام 1978، ويستقبل النفايات من مدينة غزة بشكل يومي، جرافات بلدية غزة العملاقة تتحرك في المكان وخلفها عمّال من مختلف الأعمار بينهم أطفال متجاهلين الرائحة النتنة للمنطقة، أسراب من الذباب والطيور والحشرات المختلفة، كلها تزاحم هؤلاء العمال على بقايا ما يتواجد في المكبّ.

لا حلول

أما بلدية غزة المسؤولة عن مكبات النفايات فعلى ما يبدو عجزت عن منع النباشين من الوصول إلى هذه الأماكن المؤذية لصحتهم، كما يؤكد عبد الرحيم أبو القمبز مدير عام الصحة والبيئة في البلدية والذي يوضح إن الحالة الاقتصادية الصعبة للمواطنين تدفعهم إلى البحث عن بدائل للوصول إلى هذه الأماكن غير الصحية بعد اتخاذ البلدية إجراءات لمنع وصولهم.

ويقول أبو القمبز إن النباشين لا يبحثون فقط في مكب النفايات بل أيضًا في الحاويات ومجمعات القمامة موجودة في الشوارع والأزقة بحثًا عن البلاستيك أو النحاس والحديد الذي يجدوا فيه مصدر دخل لعائلاتهم، وقد زادت هذه الشريحة مع الفقر الشديد الذي يعانيه قطاع غزة.

ويوضح إن أي شخص يعمل في هذا المجال غير الصحي من الطبيعي أن يتعرض للكثير من المشاكل الصحية، لذا تحاول الشرطة منعهم حسب القانون، كما أن المكبات هي مكان عمل آليات ثقيلة تعرضهم للخطر وسبق أن فقد أحدهم حياته أثناء العمل، إضافة إلى أن الحمل الميكروبي العالي ينتقل إلى ملابس النباشين وبالتالي إلى عائلاتهم.

ويضيف إن محاولة البعض منهم استخدام قفازات أو كمامات يمكن أن يخفف من الأثر الصحي السيء، لكن دور البلدية أن تمنع الوصول أصلًا، موضحًا إنهم يعملون على تزويد الجهات التي تحاول مساعدة هذه الشريحة بالمعلومات الكافية للحماية، ويبقى دور الحكومة ضروري لحل مشاكلهم.

ظاهرة النباشين في قطاع غزة لا يمكن عزلها عن غيرها من ظواهر أفرزتها حالة الفقر في ظل تراجع خطة حكومية واضحة للحد من الحالة المتردية التي يعانيها المجتمع الفلسطيني في القطاع، وتلكؤ واضح في تنفيذ مصالحة يمكن أن تفضي إلى حل الكثير من مشاكل الناس العالقة بين أطراف الخلاف السياسي، فهنا الفقراء يدفعون ثمن كل شيء وأصحاب النفوذ والمعالي لا يعرفون إلا مصالح أحزابهم.