التلفاز.. لم يعد الصديق الحميم للعائلة الغزيّة
تاريخ النشر : 2018-01-18 19:29

نوى-غزة-دعاء شاهين

من منّا لا يتذكر طقوس الجلسات العائليّة المفعمة بعاداتها التقليديّة التي كانت تعيشها أفراد الأسرة الغزيّة أمام شاشة التلفاز بشكل يومي، بأجواء يتخللها الأنس والمرح الذي كان يترأسه تناول المسليّات والنقاش حول أحداث البرامج المختلفة المعروضة عبر قنوات البث المتنوعة.

اليوم غاب جزءً من ذلك المشهد الحياتي الغزيّ أو لربما أغلبه حتى بدى التلفاز مهمشًا في المنزل واختفى بريق أشعته الملون، الذي كان ينعكس ليلًا على نوافذ منازل الجيران المتلاصقة أثناء سهرتهم بعد قضاء يوم شاق.

قد تكون الظروف المعيشيّة الصعبة التي سيطرت على القطاع في الأعوام الأخيرة، أثرت بدورها على أنماط حياته وسلوكيّاته، كذلك ظهور وسائل التكنولوجيا وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي جعل التلفاز يفتقد ديمومته بين معظم العائلات الغزيّة رغم المحافظة على بقائه في باقي الدول.

حاولت شبكة نوى معرفة السبب في ذلك من خلال مقابلات أجرتها مع بعض من السكان بغزة، وكان لكل منهم انطباعاته المختلفة، فالشابة سمر عادل 25 عامًا قالت لنوى: "إنه لم يعد التلفاز يثير اهتمامي كما سابقًا قبل قرابة العشر سنوات وأكثر، خاصة بعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي تعرض محتويات مختلفة، توافق ميولنا".

وتضيف أن ظروف قطاع غزة له معاييره الخاصة التي تتحكم به، فمثلًا الكهرباء لا تأتي بشكل يومي باستمرار، هذا يحمنا من متابعة العديد من البرامج المختلفة، كذلك الاكتئاب المسيطر على المواطنين يجعلهم يفضلون الخروج عن الجلوس في المنزل، وكذلك ظهور الأجهزة الرقمية الغت دوره بشكل كبير".

وتستذكر الفتاة عدد الساعات التي تقضيها برفقة عائلتها أمام شاشة التلفاز طيلة أيام الأسبوع، فوجدتها لا يتجاوز الثلاث ساعات، مقابل ذلك تقضي قرابة الثماني ساعات يوميّا أمام شاشة هاتفها النقال، الرقمية التي تستبق الزمن به من أجل شحنه بالطاقة الكهربائية حتى تنفصل عن المتابعة في وقت انقطاع التيّار الكهربائي.

وشاركها الرأي الشاب أحمد عوض الله 19 عامًا الذي يجد في مواقع تواصل الاجتماعي منفذُا مع العالم الخارجي، فهو لم يغادر غزة منذ 30 عامًا أي طيلة فترة حياته، فيجد فيه استعاضة عن التلفاز الذي لا يتابعه سوى لأوقات متفرقة. وقد حكمت عليه أجواء مدينته المغلقة ترك التلفاز والبحث عن وسيلة أخرى، ينسى من خلالها هموم مدينته وايصاله للعالم الخارجي، خلال الشبكة العنكبوتية التي حولت العالم لقرية صغيرة. ي

تحدث الشاب لنوى قائلا: "لم يعد التلفاز أهم مصادر المعلومات كصوت وصورة كما عهدنا سابقًا، اذ باتت المواقع الالكترونيّة أهم منه، وأسرع في تناقل الأحداث بشكل مباشر، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي تأخذنا غالبًا في رحلات حتى وان كانت افتراضية نتعرف من خلالها على أصدقائنا في العالم خارج غزة".

لكن من ناحيتها ترجع المواطنة هبة صالح 40 عامًا سبب عدم اهتمامها بمشاهدة التلفاز الى تراجع محتوى البرامج التي تقدمها القنوات المختلفة، فهي كانت تعشق سابقًا مشاهدة الدراما الأردنية، التي كانت تحتل الشاشات في الماضي.

وقالت لنوى: "إن التلفاز فقد هيبته مقارنة بالماضي، فالدراما التركية هي المسيطرة ولست من الشغوفين بها، وأتمنى أن يرجع بنا الزمان للقديم" وتضيف أنها كانت تجتمع مع عائلتها أمام شاشة التلفاز قبل 15 عامًا، لكنها بعدما انتقلت لبيت الزوجيّة لم تعد تشاهد التلفاز كما قبل؛ لانشغالها بأمور المنزل كما أنها تقضي ساعات طويلة بالعمل خارجه.

وتتابع المتحدثة أن أرجاء منزلها لا تحتوى على التلفاز نظرًا لوجود الكمبيوتر المتنقل "لا بتوب" فتستخدمه جميع أفراد أسرتها حتى أطفالها يستثمرونه لمشاهدة أفلام الكرتون، في الوقت التي تحدده لهم والدتهم حسب وقت فراغهم، سواء كان موجود التيار الكهربائي أو منقطع.

"قل للزمان إرجع يا زمان" أصبحت هذه العبارة لسان حال الغزيين بعدما أصبح التلفاز عاجزًا عن لم شمل العائلة التي تأثرت بعوامل القطاع سواء كانت اجتماعية، اقتصادية، سياسيّة؛ الأمر الذي جعله يدخل في معترك مع الانترنت فهل سيشهد المستقبل انهزامه، أم انتصاره وإعادة إحياء طقوسه من جديد؟.