"بيت ستي" ..البيئة الشامية في قلب غزة
تاريخ النشر : 2017-12-29 18:46

غزة-نوى-دعاء شاهين:

بعيدًا عن صخب الحياة في مدينة غزة الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وداخل زقاق مدينة غزة القديمة، تحوّل أقدم منزل من العهد العثماني إلى مطعم  "بيت ستي" كتجربة سياحية أثريّة في الوقت الذي تعاني باقي الأماكن الأثرية في القطاع من التهميش.

ما أن يلج الوافد إلى المطعم التراثي حتى تلتقط عيناه صورة عن إحدى المطاعم الدمشقية القديمة التي تعج بجمال النقوش والزخارف الفسيفسائيّة، وأجواءه التي تفوح برائحة الياسمين الشامي، وصوت فيروز الذي يهمس في آذان الحاضرين.

 يتكون المطعم من ثلاثة  طوابق يضم بين أرجائه التي  انتعشت بالحياة بعد فترة سنوات طويلة من السكون، تتوسطه أرضًا نافورة المياه "البحرة" ليتنغّم  الحاضرون  بخريرها.

ومن الجانب الآخر تجد  قاعة الجلوس "المضافة" ذات أضواء ملونة وخافتة،  أمامها محاط الموائد الخشبية  المحاطة بطاولات وكراسي  من نفس النوع  توضع عليها رغبات الزبائن من طلبات وصعودا الطابق العلوي وصولًا الى المقهى  تجد سلالمه مزينة بالورود، النباتات الخضراء فتشعر لوهلة  أنك بين أغصان الطبيعة.

بينما تشع الشمس باعثة خيوطها الذهبية في وضح  النهار فتملأ أرجاء المكان، كان العاملون يتجولون  مدوّنين طلبات الزبائن مرتدين لباس تقليدي من القمباز والطربوش كزي  موحد لهم؛ ينشغل الشيف المسؤول عن الوصفات الغذائية وريف قاسم حميدو وهو لاجئ سوري يعيش في غزة منذ خمسة أعوام؛ بإعداد الطعام.

 ينشغل وريف في مطبخه مستخدمًا أواني من الطراز القديم، وينتج أطعمة يمزج فيها بين مطبخه الحلبي والغزي القديم؛ ليقدم أشهى المأكولات التي تذيب حاسة التذوق للنزلاء مكتملًا بذلك المشهد الأثري.

يقول وريف بلهجته الحلبية في حديثه لشبكة نوى : "منذ مجيئي لغزة تعرفت على الكثير من العائلات الغزيّة  تعلمت منها أصول الأكل الغزي  ونكهاته؛ لأزيد خبرتي السابقة التي اكتسبتها من عملي شيف لدى المطاعم الحلبيّة بسوريا قبل الحرب".

 يضيف: "طيلة فترة حياتي بغزة عملت في مطاعم قبل هذا المطعم الأثري، لكن الفكرة جاءت مؤخرا للتشجيع على السياحة أيضا نظرا لتدهورها بفعل الحصار".

وكان الشيف وريف يقدّم برنامجه المعروف باسم "كزدوره" لكنه لم يجد الدعم الكافي للاستمرار فيه، والجدير بالذكر أن الشيف وريف تخرج من الجامعة السورية  بتخصص هندسة ميكانيكية"  لكن شغفه بالطبخ وفنونه دفعه لشق طريقه اليه منذ 18 عامًا.

وتعود أصول  المكان الأثري قبل تحويله لمطعم  بيت ستي إلى العهد العثماني  منذ عام 430 لذلك نجد أنه يغلب عليه فن العمارة العثماني المملوكي، الممتزج بالمعاصر أيضًا.

 وفي حديث  لصاحب البيت عاطف سلامة قال لنوى: "إن المطعم يجمع بين ما هو أثري  وتراثي بنفس الوقت وقد كلف جهدًا وثمنًا كبيراً لا نشاءه، حتى يظهر بصورة جميلة يطغى عليها طابع البيئة الشامية القديمة التي يشاهدها  عادتًا الغزيّين عبر محطات التلفاز في الدراما السورية".

ويضيف أنه لا يوجد في غزة مطاعم أثرية فأغلبها سياحية كلاسيكية تطل على البحر وتقدم وجبات حديثة، على عكس مطعم بيت ستي الذي حرص على إحياء التراث من خلاله مظهرًا الجانب الآخر من الحياة البسيطة التي كان يعيشها  الأجداد.

وبدوره يشجع سلامة على ضرورة الاهتمام بالتراث الفلسطيني والحفاظ عليه  باعتباره الهوية التي تثبت أحقيّة الفلسطيني بأرضه، داعيًّا وزارة السياحة والآثار الى ذلك أيضًا.

 شهد المعلم الأثري  الذي  تحول لبيئة تضم مطعم تراثيًّا، استقبالًا كبيرًا من الغزيين، فهم لأول مرة  يرتادون أماكن كل ما فيها يوحي بالبيئة الشامية ويذكرهم بأزقة القدس، نابلس القديمة  والعديد من مدن الشق الوطن الآخر التي يتشوقون لزيارتها.