غزة-نوى-شيرين خليفة:
أربعة شهور مرت على السيدة هداية أبو راس لم تحصل خلالها على راتبها الذي لا يتجاوز 770 شيكل "نحو 210$"، في أزمة يعانيها 800 عاملة وعامل من موظفي النظافة في المستشفيات الحكومية بقطاع غزة، إذ يقول أصحاب شركات النظافة المشغّلة للعمال أن الحكومة لم تدفع ما عليها من التزامات رغم تجديد العقود في سبتمبر من العام الحالي.
تقول السيدة هداية وهي عاملة في قسم الولادة بمستشفى الشفاء في مدينة غزة، إنها تسكن برفقة أطفالها السبعة في غرفة واحد بالإيجار الذي لا تدفعه منذ توقف راتبها، وهي مهددة بالطرد في كل لحظة، كما أن اثنتين من بناتها تعانيان من مرض الثيلاسيميا الذي يتطلب للغذاء بشكل مستمر وهو ما لا تقوى عليه، كما تعرضت إحدى بناتها للطرد من المدرسة بسبب عدم دفع الرسوم.
وتضيف هداية بغضب :"نخرج للعمل ونتحمل شحّ الراتب من أجل لقمة عيش أطفالنا، وحين لا نجد هذه اللقمة فلماذا أتركهم وأخرج"، موضحة أنهم كانوا يطالبوا أصلًا بتحسين رواتبهم التي لا تكفي كفاف الطعام فما بالنا حين تتوقف.
ويعاني نحو 800 من عمال النظافة في المستشفيات الحكومية من أزمة توقف الراتب، إذ يبلغ راتبهم أصلًا 770 شيكل وهو ما يتنافى مع قانون الحد الأدنى للأجور الذي أقره وزير العمل مأمون أبو شهلا والمقدر 1450 شيكل وهو خط الفقر.
أما السيدة أم وسيم المنيراوي وهي عاملة نظافة في قسم الباطنة بمستشفى الشفاء فقالت إنها تأتي يوميًا من النصيرات وسط قطاع غزة، لم تعد تملك ثمن المواصلات ولا ثمن إفطارها أثناء دوامها الذي يمتد من الخامسة صباحًا حتى الثانية والنصف، وحتى إيجار البيت المتراكم والذي بلغ 5800 شيكل.
وتكمل:"ما نعانيه تتحمله الحكومة الفلسطينية ورئيس الحكومة شخصيًا، ما ذنبنا بالسياسة أو تبدل الحكومات، هما مسؤولين عن حل مشاكلنا وليس لنا علاقة بخلافاتهم السياسية"، وتقارن السيدة أم وسيم بين حال عامل النظافة المُهان في قطاع غزة والاحترام الذي يحطون به في دول أخرى وهي تطلب بالمثل.
وتضيف أم وسيم:"لا يستطيع أي طبيب أو ممرض أن يباشر عمله دون أن يهيئ له عامل النظافة المكان بشكل مناسب"، وتتابع :"انظروا إلى حال الأقسام بعد إضراب لساعة واحدة فقط، فما بالكم لو أجبرنا على التوقف عن العمل لأننا لا نملك ما ندفعه ثمنًا للمواصلات.
أما زميلهم الذي اكتفى بالتعريف بنفسه باسم أبو فادي فقال:"نحن نعلم أن علينا واجبات تجاه المرضى، ونحن نراعي ما يمكن أن يسببه إضرابنا لهذا نتريث، ولكن إلى متى"، ويكمل بأنه لديه أبناء في الجامعة كان يعاني بشدة من أجل توفير متطلباتهم فما بالكم ولم يعد يتلقى راتبًا نهائيًا.
أصحاب الشركات قالوا إن المشكلة تتحملها الحكومة الفلسطينية فهم الذين جددوا عقود شركات النظافة في أغسطس ولم يدفعوا لهم شيئًا منذ ذلك الحين، بينما تحاول الشركات الالتزام بتوفير الضرورات المتعلقة بنظافة المستشفيات.
يقول نبيل أبو عقلين من شركة سلفر داي المشغلة لعمال مستشفى الشفاء إنهم عجزوا عن دفع رواتب العمال طوال الفترة الماضية، رغم إرسالهم عدة خطابات لوزارة الصحة ولكن لم يتخذوا أي خطوة لتفادي الأزمة.
وأضاف أن العمال قاموا بوقفة احتجاجية للمطالبة بحقوقهم، وبداية الأسبوع القادم سيكون هناك إضرابات، متابعًا :"هذا سيسبب كوارث صحية في المستشفيات نحاول أن نتفاداها، وعلى الجميع القيام بمسئولياته من أجل دفع الرواتب، نحن نحافظ على المرضى ولكن نريد الحفاظ على حقوق العمال".
وذكّر بأن مسئوليات شركات النظافة ليس فقط دفع الرواتب بل توفير الكثير من المستلزمات المهمة مثل مواد التنظيف المطلوب توريدها ودفع ثمنها بشكل مستمر، وأكمل :"نحن نقوم بعملنا فيجب أن يقوموا بعملهم".
من جانبه يقول النقابي د.سلامة أبو زعيتر إن موضوع حقوق عمال النظافة في المستشفيات لم يأخذ منحى جديدًا بعد المناقصة التي قامت بها وزارة الصحة، إذ لم تأخذ حقوق العمال بالحسبان، ولم تربط قبول المناقصات بالحد الأدنى للأجور.
وأضاف :"كنا نتوقع من الوزارة التفاعل في هذا الجانب، فهي من تضع المعايير لقبول المناقصات ويفترض رفض أي مناقصة لا تلتزم بقانون العمل الفلسطيني"، مضيفًا أن عدم تلقي العمال للرواتب تتحمله الشركات أولًا ثم الحكومة التي لا تلتزم بالدفع للشركات ثانيًا.
وشرح بأنهم طالبوا بضمانات بنكية تكفل حقوق العاملين في حال حدوث تعثر في الدفعات المقدمة لأصحاب الشركات، ولكن في ذات الوقت كان على الحكومة تحمّل مسئولياتها فشركة النظافة أيضًا تلتزم بتوفير لوجستيات أخرى غير الرواتب، والتأخير من طرف الحكومة غير مبرر ويفترض الالتزام حسب العقود الموقّعة مع الشركات.
لكن يتضح أن أزمة رواتب عمال النظافة في المستشفيات لا تتعلق فقط بحقوق عمالية، إنما هي إحدى إفرازات الوضع السياسي المرتبك والملتبس ما بين تمكين الحكومة من مهامها في قطاع غزة أم لا، إذ يبرز تلكؤ من قبل الحكومة في متابعة مصالح المواطنين في قطاع غزة.
