غزة- نوى:
في غرفة صغيرة الحجم يجلس محمد أحمد (28 عاماً) مع طفلتيه، محاولاً رسم البسمة على وجوههن، لعله يخفف عنهن حرارة البيت الذي يسببه سقف (الزينكو).
محمد يسكن في بيت لا تتجاوز مساحته 30 مترا داخل بيت العائلة، وحينما قرر شراء منزل مستقل، صدم بواقع ارتفاع أسعار العقارات في قطاع غزة على نحو غير مسبوق، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون.
ورغم محدودية دخل الشاب أحمد، إلا أنه اضطر حديثاً لشراء بيت في أحد الأحياء الشعبية شمال قطاع غزة، بمساعدة والده واخوانه، بمساحة تبلغ 100 متر مربع، بسعر تجاوز (35) ألف دولار، على أن يقوم بدفع المبلغ على شكل أقساط.
ومن الواضح أن أسعار العقارات في قطاع غزة لا تخضع إلى معايير محددة، حيث أن من ينظم السعر في سوق العقارات، هو مكان العقار ومساحته وطبيعة الأرض (سياحية، زراعية، سكنية)، غير أنها في جميع الأحوال تبدو باهظة مقارنة بالواقع الاقتصادي السيء الذي يعانيه السكان، وهو ما يزيد من شكواهم.
وتبين بعد عملية بحث قادتها معدة التقرير، أن المستثمرين وأصحاب العقارات يعتمدون على قانون السوق الحر في عمليات البيع والشراء، وهو ما يتيح لهم فرصة أكبر لتحقيق عائدات ضخمة على حساب جيوب المواطنين.
وينص القانون الفلسطيني المعدل لعام 2005، في المادة (21) على أن "النظام الاقتصادي في دولة فلسطين يقوم على أساس مبادئ الاقتصاد الحر"، ما يعني عدم تدخل الحكومة في تحديد الأسعار ومن ضمنها سوق العقارات، وبذلك يتضح أن القانون غير منصف، إذ يخدم المستثمر على حساب المستهلك.
ويرجع عبد الله أبو الحصين، وهو أحد تجار العقارات في قطاع غزة، ارتفاع الاسعار، إلى محدودية الأراضي المخصصة للإسكان في قطاع غزة، وارتفاع معدل النمو السكاني الذي وصل (2مليون نسمة تقريبا)، فضلاً عن غلاء أسعار المواد الخام المستخدمة في عملية الإنشاءات.
وتشير تقديرات التجار إلى أن اسعار الشقق في قطاع غزة تتراوح بين (35- 130 ألف دولار)، وهو مبلغ قد يستحيل على قطاع الموظفين جمعه في ظل بلوغ نسبة الخصم المالي من الراتب عن 30%، فما بالك بالمواطن العادي؟.
ويحذر الخبير الاقتصادي صافي الدحدوح، من الاعتماد على نظام الاقتصاد الحر الذي يخدم فئة العقارات ويخدم الأصول الثابتة، ويعمل على طحن الفئات الضعيفة والمهمشة والطبقة العاملة.
وطالب الدحدوح، بضرورة تعديل نظام الاقتصاد الحر "كي يكون هناك توازن بين المواطن المستهلك وأصحاب العقارات، وفيما يحقق المصلحة العليا للمواطنين"، مشددا على أهمية أن يكون هناك قيود ومعايير محددة لكل نوع من الاراضي والعقارات.
أما بالنسبة إلى مراقبة أسعار العقارات والأراضي أوضح الدحدوح أن هناك شبه رقابة على العقارات والأراضي من قبل اللجنة التي شكلتها محاكم قطاع غزة و وزارة العدل، مشيراً إلى أن الضرر يمكن في عدم تحديد قيمة العقار، وهذا ما يوقع المواطن فريسة.
في المقابل، قامت معدة التقرير بمساءلة وزارة الاقتصاد الوطني، بصفتها الجهة الحكومية القائمة على حماية المستهلك فيما يتعلق بالسوق التجاري. في بداية الأمر حاول أسامة نوفل المدير العام في الوزارة، الإشارة إلى أهمية التفريق بين الاقتصاد الحر في فلسطين، والدول الرأسمالية والتي تعطي الحرية الاقتصادية المطلقة في الملكية.
في الوقت ذاته حاول نوفل أن يذقف بالكرة من ملعبه، بقوله "هناك خصوصية في فلسطين تتعلق بتدخل الاحتلال الاسرائيلي في الاقتصاد، ويفترض أن يكون هناك تدخل محدود من قبل الدولة يقوم على أساس منع حالة الغلاء الحاصلة في سوق العقارات"، موضحًا أن القانون المعمول به فلسطينياً يبدو من الناحية النظرية على أنه (السوق الحر) ولكنه خاضع إلى قيود تستدعي تدخل الدولة في بعض الأحيان، خصوصا في سوق العقارات.
وأشار إلى أن المساعي تتجه نحو تنفيذ مشاريع سكنية ممولة من جهات دولية، تمنح من خلالها شقق سكنية لأصحاب الأجور المتدنية، وذلك لضمان عدم غلاء الأسعار. مع العلم أن هذه المشاريع لم تفلح في الحد من الغلاء الحاصل في سوق العقارات.
في نهاية الأمر، يتضح أن المبادئ التي يسير عليها نظام الاقتصاد الحر خلقت الكثير من المشاكل، والتي منها عدم وجود عدالة في توزيع الدخل، فضلا عن تعزيز الفوارق بين فئات المجتمع، ناهيك عن مشكلة الاحتكار.
قانون اقتصاد السوق الحر يخدم المستثمر على حساب الموطن
تاريخ النشر : 2017-11-06 13:36
