دعوات لإنقاذ ما تبقى من تل السكن الأثري
تاريخ النشر : 2017-10-13 22:14

غزة-نوى:

نظم عشرات النشطاء والمثقفين اعتصامًا حاشدًا أمام موقع تل السكن الأثري جنوب مدينة غزة، والذي يتعرض للتجريف منذ عدة أيام أفقدت الموقع جزءًا كبيرًا من مساحته ودمّرت الآثار الموجودة فيها، وذلك على الرغم من اتفاق تم التوصل له أوائل سبتمبر الماضي بين وزارة السياحة والآثار وسلطة الأراضي والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان يقضي بوقف أي تعديات على الموقع.

الحشود حملوا علم فلسطين واعتصموا في الموقع وبدا بوضوح حجم الدمار الذي لحق به والذي زاد كثيرًا عما كان في سبتمبر، وردد المشاركون الهتافات المنددة بتضييع الآثار وذكّروا بأنها هي تاريخنا الذي يثبت هويتنا وحقنا بتراب فلسطين، واستنكروا ادعاءات من ينفون وجود آثار في الموقع.

الباحث الشاب فضل العطل تقدم الحشود ليصرخ من أمام ما يُعتقد أنه سور لمدينة كان مبنيًا من الطين اللبن تم تدميره خلال التجريف، وقال أن الموقع يتجاوز عمره 3500 سنة قبل الميلاد، وكمختص بعلم الآثار شدد على أن هذا المكان هو أساس العرق الفلسطيني وهو اول طوب وضع في المكان وأول استيطان بشري فيه.

واستغرب العطل ما يتم من أعمال تجريف، وعدّ ذلك أداة سياسية ممنهجة لسرقة التراب ومسح حضارة فلسطينية بالكامل، فالمكان أنشأ قبل الأهرامات بحوالي 1200 سنة، وكان طريق التجارة بين غزة ومصر، فالمصريين كانوا يأخذون منه الحبوب إذ كانت غزة تشتهر بالاستيراد والتصدير في القرن الرابع الميلادي، وأشهر مدينة على وجه الأرض في ذلك الوقت.

القصة بدأت عندما قررت سلطة الأراضي في فبراير 2017 منح مساحات أرض لكبار الموظفين الذين لا يتلقون رواتبهم بالكامل على ذات الموقع، فبدأت مناشدات وزارة السياحة لوقف أعمال التجريف التي أصرّت سلطة الأراضي على استئنافها رغم تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين لبحث الأمر، ما أدى لتدمير جانب من أسوار مدينة تاريخية من الطين اللبن ترقد تحت ركام التل الرملي الضخم الذي كان يغطي مساحة 85 دونم، مناشدات وجهود أساتذة التاريخ حينها ذهبت أدراج الرياح، فعندما يتعلق الأمر بأصحاب نفوذ لن يهتموا بالقيمة التاريخية للآثار، ثم توصلوا إلى الاتفاق سالف الذكر بين السياحة وسلطة الأراضي والهيئة المستقلة إلا أن أعمال التجريف عادت من جديد وبشكل مفاجئ ومدمر لجزء كبير جدًا من الموقع الأثري.

الباحثة هيام البيطار والتي واصلت المناشدان منذ فبراير، أعربت عن غضبها لكم التدمير الذي لحق بالموقع، وقالت أن ما جرى في تل السكن ( الأثري الكنعاني - أول مستوطنة سكانية كنعانية في جنوب فلسطين 3500 ق.م.. (10 آليات - جرافات ) قامت بالتجريف في سباق محموم غادر وعدواني بحق الآثار الفلسطينية التي يتباكى البعض عليها.

واعتبرت البيطار أن ما جرى هو وصمة عار، وكارثة بحق تاريخ غزة وبحق التاريخ الإنساني، فاليوم تم تدمير موقع تل السكن الأثري بشكل همجي عابث، داعية الجميع إلى التحرك من أجل حماية ما تبقى من الموقع الأثري.

أما د.سامي أحمد أستاذ التاريخ في جامعة القدس المفتوحة، فأكد أن هذا الموقع ليس فارسيًا ولا بيزنطيًا، إنما سبق الديانات السماوية الثلاث، إذ تم وضع أول حجر طيني لبن، كان ارتفاعه 8 أمتار وفيه 3 طبقات من البناء الحجري وهي حسب رواية العالم الفرنسي جون باتيست تم جلب طينها من طمي النيل إذ كان المصريون يأخذون الحبوب من هذه المنطقة.

وأضاف أحمد أننا نتحدث عن أهم موقع أثري في العالم لا يشبهه سوى موقع آخر في إيران، وسمي بتل السكن لأن لو فتحنا أي مصطبة بداخله سنجده مليء بالسكن، وحتى الفخار غير موجود فيه، وإنما وجدت بعد الطبقة الثانية، فالموقع يعود للعصور البرونزية القديمة، متسائلًا من الذي يريد ان يهدم كنز تاريخي لفلسطين؟.

أما المؤرخ سليم المبيض فأكد أننا امة تكافح من أجل إثبات وجودها والآثار أحد أهم مصادرنا، هي كورقة الطابو بالنسبة لنا، فالموقع عمره يزيد على 7000 سنة، مضيفًا إننا نقف على بعد أمتار من حضارة وادي غزة التي يبلغ عمرها 3500 سنة.

ولفت إلى أنه في العام 1931 حضر إلى هذه المنطقة رجل اسمه بلندرز بيتري وحاول اكتشاف مدينة تل العجول ووجد فيها أواني فخارية وجعارين عليها أسماء أمراء فينيقيين وكنعانيين، فهذه المدينة التي أتاها الهكسوس قبل الميلاد وجد فيها أيضًا آثار لبيوت وحمامات وأدوات تجميل خاصة بالنساء (مكياج) وهذا يدل على وجود حضارة.

وناشد المبيض كل المسؤولين في مواقعهم وقف تدمير الموقع، فليس من المعقول تدمير حضارة تبلغ 7000 عام، لبناء مباني لن يتجاوز عمرها 60 عامًا، متسائلًا:"هل ضاقت بهم غزة فلم يجدوا إلا موقع أثري ليبنوا عليه ويسكّنوا الموظفين"؟.

 إن تضييع مساحات واسعة من موقع أثري وما تحمله من استهتار بالتاريخ الفلسطيني تقضي ضرورة فتح تحقيق جدي ومحاسبة كل المتورطين في هذه الجريمة، فليس من المنطقي أن يحمل أصحاب النفوذ الجميع للقبول بالأمر الواقع الذي هو جريمة بحق آثار بلادنا، وعليه هي دعوة للنائب العام للتحقيق فيما حدث.