غزة-نوى-شيرين خليفة:
ثلاث شهور مرت على إصدار الرئيس محمود عباس لقرار بقانون الجرائم الالكترونية الذي وُصف بأنه مقصلة حرية الرأي والتعبير، إذ اعتقل على إثره العديد من أصحاب الرأي في الضفة الغربية، وما دامت المصالحة قادمة؛ فهو سيتنقل سريعًا إلى قطاع غزة التي يُطبق فيها قانونًا مشابهًا وهو سوء استخدام التكنولوجيا.
قانون الجرائم الالكترونية المكوّن من 61 مادة، تمت صياغته بعيدًا عن إشراك المؤسسات فالنائب العام هو من وضعه، كما تم نشره والإعلان عنه في صحيفة الوقائع مع قرار دخوله فورًا حيّز التنفيذ دون إفساح المجال للجمهور حتى بالتعرّف عليه ضمن مدة قانونية ينبغي أن لا تقل عن 3 شهور كما هو متعارف عليه.
أسوأ ما جاء في هذا القانون هو المادة 20، التي تتيح اعتقال ومحاكمة كل من ينشر أخبارًا من شأنها "تعريض سلامة الدولة أو نظامها العام أو أمنها الداخلي أو الخارجي للخطر"، وهذا مصطلح فضفاض، إضافة إلى تشريعها مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي وتقييدها لهذه الحريات فحتى "اللايك" هنا يمكن ان يقود إلى السجن.
مؤسسة فلسطينيات في غزة ورام الله عقدت مؤخرًا ورشة عمل لمجموعة من الحقوقيين والإعلاميين لمناقشة القانون وتداعياته وسبل مواجهته، أوصى الحضور في ختامها بضرورة العمل على إلغائه كليًا، وتوقيع عريضة بذلك تقدمها المؤسسات للحكومة والجهات المعنية.
الإعلامية وفاء عبد الرحمن مديرة مؤسسة فلسطينيات تحذر من هذا القانون الذي صدم الجميع، فهو يطبق في الضفة الغربية بشكل تعفسي، وهو من الموضوعات المطروحة على أجندة المؤسسات الحقوقية والإعلامية بشكل كبير، ويأتي انعقاد هذه الجلسة المشتركة لتوحيد الجهود بين الضفة والقطاع لإلغاء هذا القانون الذي سيطبق على القطاع في حال اتمام المصالحة، كما يأتي تنفيذًا لتوصية الجمعية العامة لفلسطينيات بزيادة حجم اللقاءات والتفاعل مع المؤسسات الشريكة في الضفة والقطاع كجزء من الجهود غير الأهلية لدعم الوحدة الوطنية وسد الفجوات التي سببها انقسام امتد لأكثر من عشر سنوات.
الخبير الإعلامي ماجد العاروري قدّم أهم ملاحظات المؤسسات الحقوقية والاعلامية على القانون وسماه بقانون عقوبات مختزل، "يتضح أن من صاغوا القانون بحثوا عن مصالحهم بشكل كبير، فهو يعطي صلاحيات واسعة للنائب العام ووضع نفسه بمساواة المحاكم في كثير من الجوانب متناسيًا حقيقة أن المحاكم هي المراقب على أداء النيابة".
وتابع أن القانون توسّع في مفهومه للتجريم، وأن ما بعد المادة 14 كلها بنود أثقلت القانون الذي يتكون من 61 مادة، بمواد قامعة للحريات ماسة لها، واعتبر أن القانون بذاته أساء للسلطة وأضر بها بشكل كبير، إذ يضعها عند كل تطبيق له في مواجهة مع الجمهور، وهذا اتضح عند اعتقال 6 صحفيين على خلفية رأي استنادًا للقانون.
عصام يونس، مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان أكد أن القانون يجب أن يعبر عن المجتمع، بينما لم يتم إشراك أحد حين تم إقراره، وشدد على أن حرية الرأي والتعبير المنصوص عليها في القانون الأساسي هي حق مكفول، والقانون الأساسي أسمى من القوانين الأخرى، إضافة إلى أن القانون الجديد يمنح صلاحيات واسعة ومطلقة للنائب العام على حساب الحريات، فضلًا عن عدم توضيح المفاهيم الواردة فيه مثل "المصلحة العامة"، و"الأمن القومي"، و"العادات المجتمعية" وهذا يترك الأمور مفتوحة، فالكثير من الأشياء يمكن أن تدخل في إطاره وتضع الجمهور في خانة التجريم، وتترك للقضاة والنيابة تفسير هذه المصطلحات كيف شاؤوا.
بدوه قال المحامي بكر التركماني إننا في فلسطين بحاجة إلى قانون للجرائم الالكترونية ولكن ليس هذا، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة إذ يتوجب أولًا لتوضيح ماهية هذه الجرائم، وكما تم إقرار هذا القانون في الضفة الغربية، يوجد قانون سوء استخدام التكنولوجيا في قطاع وهو موضوع في الدرج حتى وقت الحاجة، إلا ان التركماني ذكّر بان مثل هذه القوانين تدخل في إطار الفساد السياسي، لأنه تم استخدام القوانين في إطار الخصومة السياسية كأداة لهذه الخلافات.
أما الإعلامي فتحي صباح فقد قدّم جملة من الملاحظات على القانون القمعي فهو يعطي مساحة واسعة للقمع على حساب حرية الرأي والتعبير خلافًا لما هو متعارف عليه من وظيفة للقوانين التي تضمن حرية الرأي والتعبير وفقًا للمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، موضحًا أن قانون الجرائم الالكترونية يتضمن عقوبة الحبس والمعروف أنه يمتد ما بين يوم إلى ثلاث سنوات وهذا يُترك لتقدير القاضي، بالتالي من الممكن أن قضية بسيطة تؤدي إلى سجن صاحبها لثلاث سنوات، ويلفت صبّاح إلى أن بيرزيت تقدموا بمجموعة من القوانين المتطورة الناظمة للعمل الصحفي إلا أنها ما زالت على طاولة الرئيس ولم يتم التوقيع عليها منذ عام بينما تم إقرار قانون الجرائم الالكترونية بشكل سريع وغير واضح.
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أصدر مؤخرًا ورقة بحثية رصدت العديد من الملاحظات على القانون الذي لم ينص على حرية الرأي والتعبير بل وتوسّع في التجريم، إضافة إلى ضعف الصياغات واحتوائه المصطلحات المبهمة دون تعريف والمبالغة في فرض العقوبات.
يقول الباحث محمد أبو هاشم من المركز الفلسطيني إن القانون العادي سيصبح سيئًا إذا كان من سيطبقه سيء، فحتى المحكمة الدستورية ترى أن للرئيس حق إصدار القوانين، معنى ذلك أن اللجوء إليها سنجده مغلقًا بسوابق قضائية تسمح للرئيس بسن القوانين، مع عدم الإقرار بمصداقية المحاكم في ظل الانقسام، ولكن هناك إمكانية لإلغاء القانون فمن يملك سنّه يملك أيضًا إلغاؤه،
في المرقة البحثية التي أعلنها المركز الفلسطيني قدّر أبو هاشم أن هذا قانون ينتهك حقوق الانسان الاساسية وخاصة حرية التعبير، ويقوض أي فرصة للتحول الديمقراطية في فلسطين، كما أن المشرع الفلسطيني انتقى أسوأ النصوص العربية وأضاف إليها أسوأ الأفكار للخروج بقانون سيء جدًا، كما خالفت السلطة الفلسطينية التزاماتها على المستوى الدولي وخاصة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
ما سبق يفرض على الجميع ضرورة العمل جديًا من أجل إلغاء هذا القانون الذي لم يجد له أية مناصرين سوى من فرضوه، وإذا كان القانون هو تلبية لحاجة المجتمع، فنحن فيأمسّ الحاجة لضمان مساحة أوسع من الحريات لا العكس.
