غزة-نوى:
ما تزال السيدة أم هاني العرعير من مدينة غزة تتحسّر على حفيدها "مصعب – ثمانية أيام" الذي توفي قبل شهرين نتيجة تأخّر تحويلته الطبية إلى مستشفيات الداخل المحتل، بعد أن ماطلت وزارة الصحة الفلسطينية في رام الله بإصدار تحويله علاجية له إذ وُلد الطفل يعاني من تضخم في القلب حيث كان قلبه خارج قفصه الصدري في حالة نادرة.
تروي العرعير لنوى ما حدث مع حفيدها- بعد أن أحجمت والدة الطفل عن الكلام كونها ما زالت تعيش حالة الحزن على ابنها الأول- أن الأطباء قرروا منذ ولادته تحويله سريعًا للعلاج بالخارج؛ وأنجز والده الأوراق المطلوبة خلال 24 ساعة وبقي موافقة دائرة العلاج بالخارج في رام الله ولكن تأخرت الموافقة حتى وفاة الطفل.
وتكمل:"خاطبنا مكتب د.أميرة الهندي، كانوا يقولوا لنا اتصلوا بها التاسعة صباحًا وحين نتصل يقولوا عاودوا الاتصال السابعة مساءً، وهكذا بقيت المماطلة والوقت يمر على أعصابنا حتى توفي مصعب"، وحمّلت الجدّة الحكومة الفلسطينية المسؤولية عن وفاة الطفل مؤكدة أن المواطنين وقعوا ضحية الخلاف السياسي الذي لا شأن لهم به.
مزيد من الضحايا
حسب تصريح لوزارة الصحة في غزة، فقد توفي منذ بداية العام 27 مواطنًا بينهم 8 أطفال نتيجة توقف التحويلات الطبية لمرضى قطاع غزة، وكانت منظمة الصحة العالمية صرّحت في وقت سابق من الشهر الجاري أن هناك تقليصًا واضحًا لعدد التحويلات الطبية لمرضى القطاع.
ووثقت منظمة الصحة العالمية انخفاض عدد التحويلات إلى 477 في شهر يونيو، بعد أن كانت 1484 في مايو، و 2190 في فبراير ما يعني أن هناك انخفاضًا ملحوظًا يدفع ثمنه المواطنون، وهو ما يتناقض مع ما نص عليه دستور منظمة الصحة العالمية حول حق كل مواطن في الحصول على الخدمات الصحية المناسبة وفي الوقت المناسب.
ما حدث مع الطفل العرعير ذاته تكرر مع الطفل محمد السايس "6 سنوات"، والذي تأخرت تحويلته الطبية إلى مستشفيات الضفة الغربية ما تسبب بوفاته، رغم إنجاز والده الأوراق المطلوبة بشكل سريع.
وكان الطفل السايس أصيب بغيبوبة بعد عودته مع أسرته من رحلة استجمام في البحر، مارس خلالها السباحة ما تسبب بإصابته بجرثوم في الدماغ نتيجة تلوث مياه البحر، وعلى الفور دخل في غيبوبة، كان يمكن إنقاذه لكن تأخّر التحويلة حكم عليه بالموت.
في تصريح للدكتور محمد لافي مدير مكتب منظمة الصحة العالمية في قطاع غزة، أكد أن هناك تقليصًا بنسبة 80% على التحويلات الطبية، مضيفًا أن الاحتلال أيضًا قلّص حق المرضى في الوصول إلى الخدمات الصحية، إذ بلغت معدل الموافقة على طلبات التصاريح للعلاج بالخارج 53% فقط من مجموع الحالات المتقدمة.
وشرح بأن مجموع الحالات التي طُلبت لمقابلات أمنية على معبر بيت حانون من قبل الاحتلال الإسرائيلي 400 مواطنًا، أما معبر رفح فلم يفتح إلى 10 أيام منذ بداية العام ما مكّن 1200 مريض فقط من المرور إلى مصر.
مناشدة لمؤسسات الضفة
من جانبها قالت الإعلامية وفاء عبد الرحمن مديرة مؤسسة فلسطينيات، أن هناك نقص في المعلومات المتوفرة لدى المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية حول واقع العمل الصحي في قطاع غزة وما يعانيه المرضى، وهذا يحتاج إلى جهد إعلامي مكثّف لإبرازه والضغط من أجل وقفه.
وأضافت عبد الرحمن أن هناك أخبار تتحدث عن وقف وزارة الصحة الفلسطينية التحويلات الطبية إلى مصر وهذا يحتاج إلى تدقيق، إضافة إلى ضرورة مساءلة الدكتورة أميرة الهندي مديرة دائرة العلاج بالخارج وكذلك وزير الصحة جواد عواد انطلاقًا من وضعهم الوظيفي.
وشددت على ضرورة أن يكون هناك ضغط باتجاه الاحتلال الإسرائيلي عبر المؤسسات الدولية باعتباره متسببًا رئيسيًا في معاناة المرضى، وأيضًا عدم استثناء مصر من الضغط فهي أيضًا يجب أن تفتح معبر رفح للمرضى كما يفتح بين فينة وأخرى من أجل الوفود.
الواقع الصعب الذي يعيشه قطاع غزة في ظل حصار المرضى بمثلث الموت المتمثل في تقليص التحويلات ووقف تورد الأدوية حتى نفذ 270 صنفًا من الأدوية وفقًا لتقديرات مركز الميزان لحقوق الإنسان، دفع الحقوقي جميل سرحان إلى مناشدة المؤسسات والشخصيات الوطنية في الضفة الغربية التدخل والتضامن مع قطاع غزة لوقف ما يحدث بحقهم.
ويكمل سرحان خلال جلسة نظمتها الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، إن الأزمات الناتجة عن الانقسام كانت المعلومات فيها تائهة؛ لكن في ملف التحويلات الطبية فالمسؤولية واضحة والضحايا واضحون بالأسماء، وهناك حالات واضحة تتطلب بروتوكلاتها العلاجية الالتزام بمدة زمنية محددة وهم يصارعون الموت الآن.
وشرح سرحان بأن الهيئة سعت للحوار مع الجميع من أجل تحييد المرضى، إلا أنهم لم يتلقوا ردًا من أي مسؤول بوزارة الصحة في رام الله يقبل بمواجهة الناس ليقول لهم حل ما يحدث للناس في قطاع غزة، مضيفًا أن صناعة القرار تتم في رام الله وينبغي أن يكون الضغط هناك.
وفي ظل عجز المؤسسات الفلسطينية في قطاع غزة عن الوصول الفاعل إلى مؤسسات سنع القرار في الضفة الغربية من اجل الضغط عليها، يبقى المطلوب تدخل مؤسسات الضفة الغربية، من أجل الدفاع عن حقوق المرضى في قطاع غزة بعيدًا عن كل مفردات الانقسام التي ما عدنا نجد حلً ناجعًا لها.
