عندما يقلّ أجر العاملة عن ثمن إيجار فستان زفاف
تاريخ النشر : 2017-08-22 21:48

غزة-نوى:

بمجرد انتهاء الشابة ابتسام "اسم مستعار" من عملها في أحد محلات تأجير بدل العرائس بمدينة غزة في الثامنة والنصف ليلًا؛ تتنفّس الصعداء، وتسارع بالعودة للمنزل بعد قضائها 12 ساعة، بمقابل راتب شهري 700 شيكل (أقل من 200$).

بدت الشابة العشرينية شديدة الإرهاق، بعد يوم عمل شاق قضته بمساعدة العرائس في قياس وتبديل البدل وإقناع الزبائن والتفاوض وإتمام المعاملات، ثم استلام البُدل المرجعة وإعادة تصليح "الخرزات" وترتيب حياكة الفساتين من جديد، ضمن روتين عمل يومي تتعدد فيه المهمات.

بثمن إيجار فستان!!

وتنتشر في قطاع غزة محلات تأجير بدل العرائس وفساتين السهرة بمبالغ حدها الأدنى "250 شيكل -نحو 70$-، للفستان و1000 شيكل لفستان الزفاف؛ وحسب زيارات لبعض هذه المعارض، فإن الشابات يعملن فيها دون عقود وبأجور متدنية تتراوح بين 250-800 شيكل شهريًا، رغم أن وزير العمل مأمون أبو شهلا قرر في مارس 2017 بموجب صلاحياته حسب قانون العمل رقم 7 لعام 2000 أن يكون الحد الأدنى للأجور هو 1450 شيكلًا، وأن يكون القرار ساريًا بدئًا من 1 مايو الفائت، لكن لم يستجب أحد إلى القرار. 

وفق إحصائية غير نهائية لوزارة العمل تعمل على تحديثها حاليًا؛ فإن عدد محلات تأجير بدل العرائس وفساتين الزفاف بلغت 78، بينما سجّلوا عدد 140 عاملة، إلا أن هؤلاء الشابات على ما يبدو يعملن بعيدًا عن إشراف الوزارة، ورغم وجود اتحادين للعمال في القطاع _أحدهما يتبع السلطة الفلسطينية والثاني يتبع حركة حماس التي تدير القطاع-؛ لكنهما فشلا في توفير الحماية للعاملات.

وتصل فترة عمل الشابات في تلك المحلات إلى 12 ساعة، وهذا يعد تجاوز خطير لقانون العمل الفلسطيني الذي نص على أن عدد ساعات الدوام هي 45 ساعة أسبوعيًا، حسب المادة (68) من الباب الخامس، كما يعملن دون عقود عمل رغم أن العقد الشفوي يتساوى حسب القانون مع المكتوب ولكن لا تطالب الشابات بأي حقوق لجهلهن ببنود القانون، ما يلقي باللائمة على النقابتين لتقصيرهما في جهود التوعية.

نقابتان ولكن!

تقول تهاني الجمل مسؤولة دائرة التنظيم النقابي –التابع للسلطة الفلسطينية-إن أصحاب العمل يحاولوا ألا تبقى الفتيات فترة طويلة في عملهن حتى لا يطالبن بأي حقوق، كما يعملن بمهمات متعددة خلال اليوم بدءًا من فتح المحل وصولًا إلى تحملها المسئولة عن أي خطأ مع الزبائن.

وتتحدث الجمل عن أن النقابة تقوم حاليًا بجولة على مواقع العمل للتوعية بحقوق العمال ومن ضمنها هذه المحلات، وقد لمسوا كل هذه المعاناة، مشيرة إلى أن جهود النقابة تبقى توعوية ولكن مهمة وزارة العمل أكبر من توزيع نشرات توعية، ولكن هذا مناط بدائرة التفتيش العمالي التي يتوجّب عليها زيارة كل مواقع العمل.
وقالت إنهم طالبوا مرارًا بزيادة عمل موظفي التفتيش، "إذ يجري تخصيص شخصين لكل محافظة، وأقرّت بأن التوعية وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع جهد حقيقي للدفاع عن العمال والعاملات.

أما سامي العمصي رئيس اتحاد العمال في غزة-التابع لحماس- فوافقها الرأي حول كل الظروف سالفة الذكر، موضحًا أن الظروف الاقتصادية الصعبة تدفع الشابات للقبول بهذه الأجور المتدنية وعدم قدرتها على الشكوى خشية فقدان عملها. 

وأوضح العمصي أنه لا توجد حتى إحصائيات رسمية لعدد العاملات، واعتبر أن نص القانون على اعتبار العقد الشفوي مساوٍ للمكتوب، بمثابة ثغرة يستخدمها أصحاب العمل في عدم توقيع عقود، ورغم تأكيده أن أي شابة لو تقدمت بشكوى ستحصل على حقها كاملًا بوجود شاهد واحد، لكن الزيارات الميدانية لـ"نوى" كشفت جهل الشابات أصلًا بالقانون. 

وأكد العمصي أن نقابة العمال سعت بالتعاون مع وزارة العمل إلى تنفيذ زيارات ميدانية لمواقع العمل، ورغم علمه أن عدد مفتشي العمل في الوزارة 13 فقط؛ لكنه وضّح أن طاقم النقابة البالغ 10 أيضًا يعملون بالتعاون مع فريق الوزارة ويعتمدون في كثير من الأحيان على موظفي العقود المؤقتة. 

هنا يتوجب السؤال عن أهلية موظفي فرص التشغيل المؤقتة الذين لا تزيد فترة تشغيلهم على ثلاثة شهور؛ للكشف عن معاناة العمال في 40 ألف منشأة وموقع عمل على اختلاف عدد العاملين والعاملات فيها، خاصة وأن هؤلاء الموظفين لا يخضعون إلى تدريب أو تأهيل، كما أقرّ العمصي نفسه، وإنما يتعاملون مع الميدان مباشرة.

يؤكد العمصي علمهم بأن موظفي العقود المؤقتة غير مؤهلين لهذا العمل؛ وأنه "ربما لا يلتقي العاملات أصلًا ويكتفي بلقاء صاحب العمل، ولكن هذا هو المتاح الوحيد الآن، أما إذا أردنا وضعًا جيدًا فنحن نحتاج إلى عشرة أضعاف هذه الطواقم" كما قال.

نعم,,, انتهاك

أما عن أصحاب العمل الذين يشغّلون العاملات في هذه الظروف، فقد وافقت إحداهن على التحدث لـ"نوى" شرط عدم ذكر اسمها أو معرضها، وقالت :"حددت الأجر بـ 400 شيكل للشابات الثلاث العاملات هنا بعد أن اطلعت على متوسط الرواتب في هذه المهنة من باقي المحلات وسألت عددًا منهم"، وأضافت أن ساعات العمل الطويلة والمهام المتعددة هي طبيعية وفقًا لاحتياجات هذه المهنة التي يزداد فيها ضغط العمل في وقت متأخر"، لكن السيدة تجاهلت أن الدوام المتأخر يتطلب راتبًا مناسبًا وظروف عمل أفضل كتقسيم العمل على فترتين مثلًا وهو ما تفتقده هذه المحلات.

أما وزارة العمل المنوط بها وفقًا لقانون العمل إنشاء مكاتب عمل موزعة بشكل ملائم لتقديم الخدمات للعمال وإلزام أصحاب العمل بتقديم بيانات كاملة عن العمال لديهم، كما يتوجب عليها القيام بجولات التفتيش على مواقع العمل بشكل مستمر للاطلاع على ظروف العمال، لم تقم بهذا الدور كاملاً في ظل وجود 13 موظفًا في دائرة التفتيش العمالي. 

رغم ذلك قال رئيس قسم السلامة المهنية بوزارة العمل أحمد المدهون، إن مفتشي الوزارة الـ 13 يقومون بعملهم في الزيارات الميدانية على أكمل وجه وبطاقة مضاعفة، مضيفًا "أي منشأة مخالفة تشغّل العمال أكثر من 8 ساعات يتم توجيه الإنذار المباشر لها من خلال المفتش ومن ثم إحالته إلى النيابة"، لكن المدهون لم يذكر أي حالة طبق عليها هذا الشرط القانوني.

وتابع قوله: "إن مفتشي العمل قاموا خلال عقد من الزمن بتوعية العاملين، فهم يعملون مع جميع القطاعات ضمن نموذج موحد إذ لا يوجد تخصص، لكن إذا احتاج استشارة متعلقة بظروف عمل ما يتصل بأحد المتخصصين، إلا أن هناك قواعد وأسس ومعايير موحّدة.

وأقر المدهون أنهم يعتمدون كثيرًا على موظفي العقود المؤقتة في التفتيش الميداني دون تأهيل، لكنه قال إنهم يقومون بمساعدة المفتشين في تعبئة وتحديث البيانات، ثم عاد ليستدرك أننا بحاجة إلى 50 موظفًا كي يصبح العمل أفضل.

وأكد أن الوزارة لديها إحصائيات كاملة بعدد العاملين في كل القطاعات ولديهم اطّلاع على ظروف عمل الجميع، موضحًا أن وزارته بصدد المراقبة على تنفيذ أصحاب العمل لقرار الوزير الصادر في مارس 2017 بشأن الحد الأدنى للأجور وأنهم بدأوا بالمنشآت الكبيرة كالمصانع وأن العمل سيصل إلى باقي القطاعات لاحقاً.
وأشار إلى أنه بدءاً من العام القادم 2018 سيتمكن كل عامل من الدخول إلى الموقع الالكتروني للوزارة وتقديم شكواه الكترونيًا كي تقوم الوزارة بواجبها في الرقابة والتوعية والاطّلاع على ظروف العمل لديه.

ومن الواضح من خلال ما نقل من روايات للعاملات في هذه المهنة، فأنه لم يقم بزيارتهن أحد ولم يتم مسبقًا استهدافهن بجهود توعية، ما يعني أن ظروفهن لن تتغير لطالما ظلت النقابتان تعملان بدون تنسيق، وسيستمر أرباب العمل باستغلال تلك الفتيات بدفعهن للقبول بأجور زهيدة، في ظل غياب الرقابة الكاملة من قبل وزارة العمل.