غزة-نوى:
يتحسّب نحو 6000 موظف مدني من موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة؛ تنفيذ تقاعدهم المبكّر ما يعني حرمانهم من نحو 50% من راتبهم الأصلي، والذي بالكاد يكفي نفقات بيوتهم في ظل ارتفاع الأسعار الذي يعانيه قطاع غزة وتفشي ظاهرتي الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة لتصل الأولى إلى نحو 64% والثانية 42%.
مئات الموظفين العموميين وخاصة من قطاعي الصحة والتعليم الذين ما استمرّوا على رأس عملهم عقب الانقسام الفلسطيني عام 2007، الآن مهددون بالتقاعد المبكر دون مسوّغ قانوني يبيح للرئيس اتخاذ مثل هذا القرار الذي أعلن عنه في 22 يوليو من الشهر المنصرم.
تقول الموظفة هناء الخالدي "43 عامًا" :"جئنا اليوم لنعتصم احتجاجًا على قرار يضرّ بيوتنا وأطفالنا، فلماذا أضطر للجلوس في البيت وأنا في هذا العمر الذي يتزايد فيه العطاء والخبرة، نحن نرفض كافة الإجراءات بحقنا ونعتبرها غير قانونية"
وتضيف هناء التي وقفت في مقدمة الصفوف في اعتصام دعت إليه نقابة الموظفين العموميين احتجاجًا على هذا القرار، وتوضح أن الخصومات التي تم تنفيذها أضرّت كثيرًا برواتب الموظفين وعجزوا عن الإنفاق على عائلاتهم، فكيف إذن حين يتم تقاعدهم ويحصلون على نصف الراتب.
يحدد قانون الخدمة المدنية في بياناته المنشورة على الصفحة الرسمية لديوان الموظفين في في الباب الخامس، المادة 96 أسباب انتهاء الخدمة ومنها بلوغ السن القانونية أو عدم اللياقة الصحية والبدنية، لكن إجراءات الرئيس لا تدخل ضمن أي من البنود الثمانية الواردة في هذه المادة.
وحتى قانون التقاعد العام لعام 2005 فيتحدث في المادة 29 منه عن وجود عجز صحي من أجل حصول الموظف على تقاعد مبكّر أي دون سن 60 عامًا، بينما تقوم لجنة طبية مختصة بفحصه كل عامين للتأكد من أنه ما زال غير قادر على العمل، وهو شرط ليس له علاقة بكل ما يجري ما دفع المواطنين للتأكيد بأن ما يحدث يأتي في إطار المناكفات السياسية بين حماس التي تدير قطاع غزة والرئيس محمود عباس وحكومته في رام الله، وهو ما أكده فعليًا رئيس الوزراء رامي الحمد الله خلال تصريح له قبل يومين إذ قال أن الحكومة ستوقف إجراءاتها ضد غزة ف يحال حلّت حماس اللجنة الإدارية.
واقعٌ يعيه جيدًا المواطنون الذين يدفعون وحدهم ثمن هذه المناكفات من رواتب بالكاد تكفي أصلًا نفقات بيوتهم، ويزداد بؤسًا عندما يتعلق الأمر بموظفين اضطرتهم الظروف إلى أخذ قروض من البنوك، كما حدث مع الموظف رائد صالح.
يقول صالح:"أعمل في وزارة الحكم المحلي منذ 20 عامًا، تقعد مبكّر يعن ينصف راتب لا يكفي لقرض ولا لنفقات أبناء بالجامعة ولا لمصروف بيت، القوانين الفلسطينية لا تمنح الحق لأحد بإحالتنا للتقاعد، فوفق أي قانون فعلوا هذا".
ذات الواقع أكدته نعيمة ظاهر وهي معلمة وتقول:"بيت مفتوح وخمس أبناء كيف سيكفيهم نصف راتب، القرار مجحف ويظلم الموظفين، لماذا نتقاعد ونحن في سن هو ذروة الخبرة والعطاء، هذا يصيبنا بالإحباط والشعور بالقهر".
وتجزم السيدة نعيمة إن الموظفين باتوا ضحية للخلاف القائم بين الرئيس في رام الله وحركة حماس في غزة، مبدية استيائها الشديد إزاء هذه التصرفات التي تزيد قهر الناس في القطاع الذي يدفع ثمن كل التقلبات السياسية والأمنية.
أما نقيب الموظفين العموميين عارف أبو جراد، فأكد أن القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في 22 يوليو حول إحالة عدد كبير من الموظفين للتقاعد، دون مسوغات حول آلية التقاعد، مضيفًا إنهم أرسلوا عدة رسائل للرئيس ولرئاسة الوزراء والقيادة السياسية حول رفض القرار الذي سيحوّل جميع الموظفين إلى خانة الفقر.
ويضيف أنه لا يوجد في القانون ما يسمى تقاعد مؤقت، بل هو فسخ عقد نهائي بين الحكومة والموظف ولا يجوز لهذا الفسخ أن يكون محددًا بمدة، إنما الموجود هو عقد تم توقيعه بين الحكومة والموظف بشكل منفرد، ولا يجوز فسخه دون سبب، فالقانون الأساسي وقانون الخدمة المدنية وقانون التقاعد لا يجيزون للرئيس ولا لرئيس الوزراء اتخاذ مثل هذه القرارات.
وحذّر أبو جراد من الانعكاس الخطير لهذه الإجراءات على مستقبل الموظفين وعائلاتهم، مؤكدًا أن الفعاليات ستتواصل وتتدحرج ككرة الثلج، موجهًا حديثه للقيادة السياسية:"لا تدعونا نخرج عنكم وعليكم".
ويستمر الموظفون الفلسطينيون في قطاع غزة بدفع ثمن مناكفات ليسوا طرفًا فيها، إلا من قيادات باتت تضرب عرض الحائط بحجم الضرر الذي يفاقم معاناة الناس في قطاع غزة المحاصر، دون أن يحرّك أي منها ساكنًا ما داموا غير متضررين بشكل مباشر، فمن يضرب ليس كمن يعد العصى.
