غزة-نوى:
بينما يتعرض المسجد الأقصى لاعتداءات متصاعدة منذ خمسة أيام عقب عملية باب الأسباط التي نفذها ثلاثة استشهاديين من مدينة أم الفحم، تطل علينا فصائل المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة بتهديد علني للاحتلال أن استمرار هذه الانتهاكات وفرض البوابات الالكترونية على المصلين الذين يحرمون الصلاة لليوم الخامس على التوالي، ستكون له نتائج باهظة.
تهديد وإن بدا غير واقعي في ظل ما يتعرض له قطاع غزة من حصار مشدد منذ 11 عامًا، إضافة إلى خوض الاحتلال لثلاثة حروب ضده في أقل من خمس سنوات كان آخرها عام 2014، دون ان يتمكن الناس من التقاط انفساهم في ظل حالة الانهاك الشديد يطرح السؤال حول خيارات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في مواجهة ما يجري بالمسجد الأقصى المبارك.
مراقبون اتفقوا على أن المقاومة الفلسطينية لديها الرغبة في التحرّك من أجل المسجد الأقصى، إلا أن حسابات الواقع مختلفة، مثلما يؤكد الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل الذي يوضح في معرض حديثه عن خيارات المقاومة في قطاع غزة أن حساباتها صعبة، نافيًا أن يكون التصعيد من القطاع فيه حماية للمسجد الأقصى.
يضيف عوكل :"أعتقد أن الخيار الصعب مرغوب للمقاومة، ولكن هي بتهديدها يجب أن تبعث برسالة، وموضوع القدس مسؤولية كل الشعب الفلسطيني وبالدرجة الأساسية من يستطيعون الوصول إليه، قطاع غزة المحاصر لا يستطيع فلعل الكثير، مستبعدًا توفّر أسباب حقيقية تدفع لتفجير الأوضاع من غزة.
ولا يختلف معه في الرأي الكاتب مصطفى إبراهيم، الذي يرى أن خيارات المقاومة في غزة محدودة، لكنه يضيف إن الأوضاع هنا لا تحتاج إلى ردّات فعل عصبية دون تخطيط مسبق واتفقا وطني عام على خطة وطنية تجاه ما يجري في الأقصى، أما اتخاذ القرارات بعشوائية، يكون لها آثار عكسية.
ويكمل:" مهم خروج تهديدات من المقاومة، وأن توضح للاحتلال أن القدس ليست وحدها، ولكن هذا بحاجة إلى رد فعل وطني شامل لا يجب ان يقتصر على الرد العكسري، ولا يجب أن يقتصر على التصريحات والشعارات لتبرير العجز والصمت الذي يطبق على الحالة الفلسطينية، او قمع المظاهرات كما حدث في انتفاضة عام 2015 التي قمعت وأدت إلى عدم استدامتها"، ويرى إبراهيم أم المقاومة يجب ألا تكون عفوية، فالعشوائية لا تنقع مع قوات الاحتلال التي تخطط وتضع السياسات والإجراءات من أجل العدوان المستمر وسيطرته على الأقصى.
لكن ثمة من يجزمون أن المقاومة الفلسطينية من غزة على وجه التحديد لن تغامر بإطلاق صواريخ تجاه مستوطنات الاحتلال القريبة من قطاع غزة، أو تفجير الأوضاع على الحدود، ما يعني أن التهديد يندرج في إطار الحرب المعنوية.
يقول عوكل إن هذا أيضًا دور المقاومة، فالحرب الحقيقية ليست دومًا تحقق الأهداف، بل أحيانًا التهديد بالحرب يحقق أهدافًا أفضل، المقاومة يجب أن تهدد، ولكن السؤال هل المقاومة فقط في غزة؟ الإجابة إنها لديها امتدادات في كل أماكن التواجد الفلسطيني، هم يتواجدون أيضًا في الضفة وبإمكانهم القيام بعمل عسكري.
أما الكاتب إبراهيم، فيقول ردًا على سؤال إن كان عدم رد المقاومة سيحرجها امام الناس؛ أنه لا يجب أن تكون ردود الفعل شعبوية، فالعدوان الإسرائيلي على الأقصى أصلًا مستمر، والمقاومة أيضًا لم تتوقف، وقطاع غزة خاض ثلاثة حروب وتم رفع شعارات لم تحقق شيئًا، خاصة بعد حرب عام 2014، فالإعمار لم يكتمل والحصار مستمر، فجيب ألا نخضع لردود فعل شعبوية من أجل تهييج المقاومة بإطلاق زخات من الصواريخ ومن ثم يكون رد الفعل الإسرائيلي عنيفًا وغير متوازن، يجب أن تكون هناك مقاومة، ولكن الاتفاق على المقاومة.
لكن القضية التي شغلت الواقع الفلسطيني على ما يبدو لم تحظَ بالكثير من التغطية في الإعلام الإسرائيلي، ما يعني صعوبة رصد توقعات إزاء الموقف من المقاومة الفلسطينية، إذ يؤكد الكاتب عوكل إن الاحتلال يبدو مترددًا إزاء البوابات الالكترونية في الأقصى، بمعنى هناك نقاش أنتبقى او لا تبقى، معربًا عن اعتقاده أن إسرائيل وصلت إلى مرحلة يمكن أن تفرض وقائع على الأرض بالتقسيم الزماني والمكاني للقدس.
أما الكاتب إبراهيم، فيوضح أن الإعلام العبري لم يغطِ ما يجري في القدس كما خلال الأيام الاولى لإغلاق الحرم، بل يتعمد وكأن هناك قراراً بعدم إثارة الإسرائيليين ولا الفلسطينيين، بالتأكيد إسرائيل تدرك الازمة التي يعيشها قطاع غزة وتعلم أن المقاومة ليست في وارد القيام بفعل يدفع باتجاه ثمن غالٍ.
لكن يبدو أنه بات من المحتّم على السلطة الفلسطينية اتخاذ موقف جدّي إزاء ما يجري في القدس بعيدًا عن المقاومة، إذ يؤكد عوكل ضرورة اتخاذ السلطة لموقف متقدم بتوفير غطاء سياسي للمظاهرات الشعبية التي تحدث الآن، ولا تفعل كما حدث في انتفاضة السكاكين عندما رفعت الغطاء السياسي عنها وقمعتها، بل المطلوب مقاومة شعبية شاملة بغطاء سياسي فلسطيني شامل، اما إذا بقي موقف السلطة بارد وكلامي فلن يحدث أي تطور في الموقف.
هنا يعقّب إبراهيم على أن أي موقف تتخذ المقاومة ينبغي أن يكون دفع الثمن معروف مسبقًا وألا تؤخذ الأمور بهذا الشكل وإنما نعرف كيف تستغل هذه المقاومة بالزمان والمكان المناسبين.
