غزة-نوى:
لم تكن عملية القدس التي نفذها شهداء عائلة جبارين يوم أمس الأولى بالنسبة لفلسطينيين ينطلقوا من داخل فلسطين المحتلة عام 1948، فقد سبقهم قبل عام ونصف الشهيد نشأت ملحم، لكن المفاجئ والجديد هو نوعية العملية التي نفذها ثلاثة شبان مرة واحدة من مدينة أم الفحم معقل الحركة الإسلامية وتنفيذها بالسلاح داخل المسجد الأقصى المبارك أسفرت عن مقتل اثنين من جنود الاحتلال.
فعلى مدار سنوات حيّد الفلسطينيون أماكن العبادة من الاشتباك، ولكن قيام شباب عائلة جبارين الذين يتشاركون ذات الاسم "محمد" وإن اختلفت الأعمار (19-20-30)، بتنفيذ العملية بالسلاح يعني حسب مراقبين أن الفلسطينيين نفد صبرهم إزاء الإجرام المتنوّع وعمليات الاقتحام اليومية للمسجد الأقصى المبارك من قبل جنود الاحتلال المدججين بالسلاح والاعتداء على المصلين وانتهاك حرمة وقدسية أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين.
هكذا ينظر المسلمون للمسجد الأقصى وهذا ما تجاهلته إسرائيل، أمرٌ أفضى في النهاية إلى هذه النتيجة التي صدمت المنظومة الأمنية للاحتلال وصدمت حتى الإعلام الإسرائيلي الذي وجد نفسه للمرة الأولى لا يمتلك معلومات بل اعتمد على معلومات نقلتها وسائل إعلام فلسطينية التي امتلكت ليس فقط المعلومة بل وبعض الفيديوهات أيضًا.
يقول الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله، إن هذه العملية يمكن قراءتها في سياق ردة الفعل الطبيعية على قلق الناس ودفاعها عن كرامتها، فإسرائيل تمارس أقصى درجات الاستفزاز، وشعور الفلسطينيين بأنهم ينتهكوا دون أن يدافع عنهم أحد، وهي في سياق صرخة كأنهم يقولون يا وحدنا ويقولون نحن ندافع عن القدس عن شرفنا وكرامتنا وعزتنا.
وحول انطلاقهم من داخل فلسطين المحتلة عام 1948، يرى عطا الله أن المسألة ذات بعد ديني لا يعرف الحدود سواء كان المنفذون من الداخل أم من الضفة أم القطاع أم القدس، وإسرائيل لا تعرف أنها تستهدف مشاعر تمس الروح الفلسطينية الفلسطينية، فالقدس والمسجد الأقصى مسألة غاية في الحساسية بالنسبة للفلسطينيين، وإسرائيل تمارس جرائمها دون أن تأبه لهذه المشاعر.
وعدّ عطا الله هذه العملية فشلًا للمنظومة الأمنية الإسرائيلية التي حوّلت القدس في العامين الأخيرين إلى ثكنة عسكرية، وجنّدت كل قدراتها التكنولوجية ووحدات الرصد ووحدات حرس الحدود، وعندما تكون إجراءاتها بهذا الحجم فالأكيد أن العملية فشلًا ذريعًا لهم.
وحاول كيفية تناول الصحافة العبرية للعملية قال عطا الله أن الصحافة العبرية تتحدث عن الاختراق و ردّ الفعل الإسرائيلي باعتبارها فرصة لهم لتعزيز مكانتهم في القدس والسيطرة عليها، معربًا عن تخوّفه من اتخاذ الاحتلال المزيد من القمع بحق الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة عام 1948، موضحًا أنه ليس مطلوبًا منهم المشاركة في العمليات العسكرية، فدورهم وحضورهم وحاجتنا الاستراتيجية لهم تتطلب ألا يشاركوا.
ونفى عطا الله أن تشكّل هذه العملية إحراجًا لسلطة الفلسطينية، واصفًا إياها بانها حشرت نفسها دون ان يكون مطلوبًا منها ذلك، فالشبان يحملون الهوية الإسرائيلية وانطلقوا من داخل فلسطين التي يسيطر عليها الاحتلال، بالتالي ليس هناك من تبعان على السلطة الفلسطينية وكان يجب ان تتجاهل هذا الموضوع تمامًا.
أما المحللة السياسية عبير ثابت، فترى في قراءتها لدلالات العملية، إن إسرائيل فشلت في تغييب الهوية الفلسطينية لفلسطينيي الداخل، وهذا يرجع إلى طبيعة الاحتلال الكولنيالي الإسرائيلي الذي يستند على التفوق العقائدي الأيدلوجي الذي استندت إليه الحركة الصهيونية منذ نشأتها، فكانت وما زالت تتعامل مع فلسطينيي الداخل باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية.
وعدّت ثابت هذه العملية فشل للنظرية الأمنية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الداخل، وعدم قدرتها على فصلهم عن الهم الفلسطيني، كما تؤكد أنها لم تتمكن من التأثير على الوعي الفلسطيني تجاه قضيتهم، فالرسالة التي أرادها الشهداء أن القضية حاضرة في الوجدان الفلسطيني للفلسطينيين في كل مكان بعدالتها المطلقة التي جلبت كل أحرار العالم معنا، وان شعلة النضال لن تغيب رغم كل المؤامرات ومحاولات التصفية وطمس الحس الوطني.
وحول تناول الصحافة العبرية للعملية قالت ثابت إن الصدمة الأكبر للحكومة الإسرائيلية كانت كيف تمكّن المنفذون من الوصول وبشكل غير متوقع، فهم يقيمون في ام الفحم وحسب ادعاءات الاحتلال يحظون بالحرية ولا يتعرضون لما يتعرض له الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، والقضية هنا فشل محاولة دمجهم في المجتمع الإسرائيلي وتغييب وعيهم تجاه القضية الفلسطينية، واحتوائهم.
واتفقت ثابت مع عطا الله في أن العملية لا تحرج السلطة الفلسطينية، فالشباب من الناحية الإدارية تحت المسؤولية الإسرائيلية، ولكن ربما أتى استنكار السلطة الفلسطينية للعملية في الإطار الدبلوماسي كما حدث عندما استنكر نتنياهو حرق عائلة دوابشة، لكن لا يترتب على السلطة الفلسطينية أي مسؤوليات.
وتوقعت ثابت المزيد من الإجراءات القمعية من قبل الاحتلال بحق الفلسطينيين من قبل حكومات اليمين الإسرائيلي المتطرفة التي لا ترى إلا اليهودي، وهناك أصوات تدعو إلى اتخاذ إجراءات ضد عائلات الشهداء ورأي آخر يذهب باتجاه كيفية منع مثل هذه العمليات بمحاولة احتواء فلسطينيي 1948.
وعرجت ثابت في حديثها إلى الإجراءات القمعية التي يتخذها الاحتلال الآن في المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه لأول مرة منذ عام 1969، لتتساءل هل اليمين الإسرائيلي لا يقيم وزنًا للعرب والمسلمين، فأبعاد مثل هذا المنع خطيرة واللعب على المشاعر العقائدية لن يمر مرور الكرام، فنحن نشهد مرحلة تهويد علنية.
