غزة-نوى:
لعقودٍ؛ ظلّت الهند داعمًا سياسيًا رئيسيًا للقضية الفلسطينية وللقضايا العربية، حتى جاءت زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل خمسة أيام، لتشكّل تغيير جوهري في شكل العلاقات بينهما، فعندما تمت مناقشة قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة عام 1947؛ كانت الهند واحدة من 13 دولة اعترضت على القرار بل إن رئيسة وفد الهند لدى الأمم المتحدة قالت :"،،،إن مسألة المشردين اليهود أضافت تعقيدًا لمشكلات المنطقة، وعلى الدول الراغبة في إيواء هؤلاء المشردين الإعلان عن ذلك في الجمعية العامة".
وحتى عند اجتماع الأمم المتحدة للتصويت على الاعتراف بـ"إسرائيل" عام 1948، تساءل مندوب الهند :"وأين الفلسطينيين هل ماتوا"؟، ليتواصل بعدها الدعم السياسي الهندي بالتصويت المستمر لصالح فلسطين في الأمم المتحدة، خاصة بحكم العلاقة القوية التي ربطت الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بالزعيمة انديرا غاندي ومن بعدها ابنها راجيف والزعيم جواهر لال نهرو.
ورغم أن اعتراف حكومة نهرو بـ"إسرائيل عام 1950 جاء كحلٍّ وسط لإرضاء القوى الهندوسية، وعدم السماح بإقامة علاقات معها لإرضاء المسلمين، إلا أن الهند ظلّت تحافظ على هذا الخط حتى العام 1992، فمع صعود نظام عالمي جديد وعقد مؤتمر مدريد للسلام، أخذ العالم انطباعًا أن القضية الفلسطينية قد حُلت وهو ما فتح المجال واسعًا لأكثر من خمسين دولة لم تكن تقيم علاقات علنية مع إسرائيل أن تباشر في ذلك ومن بينها الهند، إلا أن زيارة رئيس الوزراء الهندي وهي الأولى على هذا المستوى؛ دفعت رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوصفها بالتاريخية فما الذي بدّل الموقف الهندي؟.
يقول الكاتب والمحلل السياسي د.بلال الشوبكي، إن الهند تقيم علاقاتها وفق المنفعة، والقيادة الفلسطينية لم تقدم شيئًا للهند مقابل ما تقدمه حكومة الاحتلال الإسرائيلي، فهناك حالة تعاون عسكري بينهما، بينما لم يكن هناك أي أفق لتطوير العلاقات الفلسطينية الهندية سوى من عملية التبادل الثقافي وبعض المنح الدراسية في الهند.
ويؤكد الشوبكي أنه ليس بمقدور السلطة الفلسطينية تقديم منفعة للهند تنافس إسرائيل، لكنها تستطيع أن تكون مفتاحًا لها في المنطقة العربية، فالوطن العربي أهم بالنسبة للهند من إسرائيل، لكن الدبلوماسية الفلسطينية لم تطرق هذا الباب، فما زالت رؤيتها في الملف الخارجي غير واضحة.
ويعزو الشوبكي العلاقات القوية التي ربطت الرئيس الراحل عرفات بالهند، بالثقل السياسي للرئيس الراحل عرفات، كما أن الأخيرة كانت تسير في إطار دول عدم الانحياز والهند لا تنظر إلى علاقاتها الخارجية فقط من منطلق مادي، فالدعم السياسي مهم بالنسبة لها، وهي تشعر بالانحياز العربي لباكستان.
ورغم أن الدول العربية لا تتدخل مباشرة في الخلاف الهندي الباكستاني، ولكن يؤكد الشوبكي أنه ليس هناك من رؤية واضحة للقيادة الفلسطينية لهذه العلاقات، فإسرائيل مثلا تقيم علاقات مع دول بينهم علاقات متناقضة، إلا أن الدول العربية والدبلوماسية الفلسطينية لا تقيم مثل هذه العلاقات المتوازنة.
وتعود هذه العلاقات بالكثير من الفائدة على الهند في مجال التطوير التقني، فنحن دخلنا عصر اقتصاد المعرفة واسرائيل تنفق على البحث العلمي ما يقارب 5% من دخلها السنوي وهذا الأمر يمكن أن يفيد الهند لأنها أيضًا تعمل في هذ المضمار، ويمكن ان تحصل على دعم سياسي من الدول التي تقيم علاقات مع إسرائيل، ويبدو ان الهند قرات المشهد العربي وأي دولة تنظر بشكل عقلاني سوف تقيم علاقات مع الطرف الأكثر استقرارًا، ويؤكد الشوبكي ضرورة أن يكون لدى القيادة الفلسطينية رؤية واضحة لإقامة علاقات على المستوى الخارجي بعيدًا عن ثنائية أوروبا وأمريكا، وأن تضاعف جهودها باتجاه الهند والصين وأمريكا اللاتينية.
أما د.عبير ثابت الكاتبة والمحللة السياسية فقالت أن إسرائيل انتهجت خلال الـ 25 عامًا الماضية سياسة دبلوماسية الظل مع الهند، واستخدمت هذه السياسة في إفريقيا في العديد من الدول العربية وحققت نجاحات، فزيارة رئيس الوزراء تعتبر نجاحًا للدبلوماسية الإسرائيلية الهادئة طويلة الأمد التي اعتمدت شبكة علاقات اقتصادية واجتماعية بعيدًا عن السياسة وتعتمد القوى الناعمة والخشنة ويكون محور الفائدة بين الطرفين مشترك.
تضيف أننا نتحدث عن علاقة بين دولتين بينهما تكافؤ فكلاهما دول متطورة صناعيًا، وعلى مدار 25 سنة إسرائيل ساعدت الهند في عدة مجالات، خاصة عندما تحوّلت من مجتمع زراعي إلى تكنولوجي كانت إسرائيل أهم الداعمين في مجال البرمجة الرقمية وساعدتهم في مجال الزراعة ومواجهة التصحر وفي المجال العسكري، وتمكنت إسرائيل من دخول السوق الهندي.
أما على المستوى الفلسطيني فتوضح ثابت كان لدينا غياب دبلوماسي فلسطيني وعربي تجاه الهند هذا شاهدناه في زيارة مودي الذي لم يمر برام الله، وكيفية تراجع المساندة السياسية للهند للقضية الفلسطينية وهي كانت مساندة للحقوق العربية والفلسطينية، ولكن عبر دبلوماسية الظل الهادئة اتخذت موقفًا محايدًا، وربما تنقل إلى تأييد إسرائيل كما حصل مع نيجريا التي كانت تدعم القضية الفلسطينية ثم حايدت ثم ساندت إسرائيل وكذلك بوركينافاسو التي كانت داعمًا للقضية الفلسطينية ولكنها صوتت ضد قرار اليونسكو الأخير بشأن القدس.
وذكّرت بأن الهند من أهم الدول التي سيكون لها تأثير في المرحلة القادمة في تشكيل المعادلة الدولية نظرًا لتطورها الاقتصادي وتطورها في العديد من المجالات، ونحن كفلسطينيين للأسف خسرناها كداهم ومساند لقضيتنا كان بالإمكان الاستفادة من هذه العلاقة بشكل أفضل.
وشددت على أن الوقت ما زال متوفرًا من أجل مراجعة الدبلوماسية الفلسطينية تجاه الهند، فنحن لا نتحدث عن دولة واحدة، بل سلسلة من الدول التي تتساقط ونخسر داعمين للقضية الفلسطينية، ممن يتحولون إلى محايدين ثم خصوم.
