غزة-نوى:
هي امرأة مناضلة سياسية من ذلك الزمن الذي لا يغير مبادئه، عصامية رغم ثراء عائلتها، تركت بصمات واضحة في مجال العمل السياسي والتمكين الاقتصادي للنساء والثقافي للشباب، آمنت أن أمة لا تقرأ لن تنجز شيئًا، أعداءها الوحيدون هم الجهل والانقسام والاحتلال، إنها المناضلة التي ودّعت الحياة قبل يومين راوية الشوا، التي آثرت طوال حياتها السياسية والاقتصادية البقاء بين الناس تمثلهم كنائب في المجلس التشريعي الفلسطيني، ورفضت من أجل ذلك منصبًا وزاريًا ربما لم تجد فيه ما يحقق مرادها من خدمة الناس.
راوية الشوا؛ هي امرأة متعددة الإمكانيات، فهي مزارعة ومعلمة وكاتبة ومصممة أزياء وسيدة في التجارة وكاتبة وشاعرة، وسياسية محنّكة، نشأت راوية في كنف والدها السياسي الفلسطيني الشهير رشاد الشوا، ومنه اكتسبت مبادئ العمل السياسي كونها كانت قريبة جدًا منه استفادت من خبرته وساعدها على ذلك ذكاءها الفطري وقوة شخصيتها.
ولدت في حي الشجاعية شرق مدينة غزة قبل أعوام من النكبة، وفتحت عينيها منذ صغرها على هموم الوطن بحكم العمل السياسي لوالدها الذي تمسّك بمبادئه تحت أقسى الظروف، هي واحدة من ست إخوة، عاشت على ما تنتجه أرضهم من محاصيل، عندما كبرت درست في الكلية الأمريكية في القاهرة ثم تزوجت وسافرت مع ابنها عمها عون الشوا-الذي أصبح رئيسًا لبلدية غزة عام 1995-، سافرت معه إلى الكويت ليعمل مهندسًا للبترول في شركة يابانية بمنطقة اسمها لخفجي وهي محايدة بين السعودية والكويت، وكانت برفقة زوجها من أوائل العائلات التي وصلت إلى هذه المنطقة، فأسست بالتعاون مع نساء بالمنطقة أول مدرسة هناك بل وخاضت عدة مجالات هناك فمارست صيد السمك وكتابة الشعر.
عادت إلى قطاع غزة عام 1974 فافتتحت معرضًا لبيع الملابس التي كانت من تصميمها غالبًا، ومارست الكتابة في صحيفة النهار المقدسية تحت زاوية "بداية المشوار" ثم كتبت في صحيفة القدس تحت عنوان بداية الحوار، عبرت فيها عن هموم الناس وآرائها السياسية ساعدها في ذلك ثقافتها الواسعة وحسن اطلاعها.
يقول مدير مكتبها الإعلامي عبد الحميد عبد العاطي، إن السيدة راوية أنشأت منذ بداية التسعينات مجموعة غزة للثقافة والتنمية، لتلبية حاجات الناس التي تكانت تتردد على مكتبها بشكل كبير، ولأن أعداءها في الحياة هم الجهل والانقسام والاحتلال.
ويبدي عبد العاطي حزنًا شديدًا على رحيل الشوا مؤكدًا أننا فقدنا امرأة عظيمة، كانت الوفود التي تأتي إلى غزة تحرص على لقائها من أجل الاستماع لصوت نسوي مستقل، وهذا ما كانت تحرص عليه، حتى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس اتصل بها هاتفيًا قبل ثلاثة سنوات لتكون ضمن الوزارة فرفضت أن تشارك في وزارة غير توافقية وامتنعت عن التصريح بذلك للإعلام منعًا لإحراج الرئيس.
ويتحدث عبد العاطي عن التزامها الدقيق بالمواعيد فهي كانت تصل مكتبها يوميًا تمام التاسعة صباحًا وهذا ديدنها طوال حياتها، وتستمر حتى السادسة مساء، وقد تضطر إلى التأخّر أكثر من ذلك بسبب كثرة مشاكل المواطنين وهذا على الرغم من كونها أجرت ثلاث عمليات قلب مفتوح وهذا يشكّل إرهاقًا كبيرًا لها.
نفذت الشوا حسب عبد العاطي العديد من المشاريع الثقافية والخيرية واستثمرت علاقاتها الخارجية من أجل خدمة المجتمع، أما على صعيد الانقسام السياسي فتقدمت لأكثر من مرة بمبادرات والتقت بالرئيس محمود عباس وبالسيد اسماعيل هنية، ولطالما أرسلت رسائل للحكومة المصرية تطالب بتحييد الشعب عن الخلافات السياسية.
ويضيف إنها كانت امرأة قارئة ومثقفة، تهتم بكل خبر ومقال ينشر عن فلسطين في الصحف الأجنبية خالصة، ولطالما ردت بمقالات تفنّد فيها مزاعم ضد شعبنا، فهي كانت تجيد اللغة الانجليزية بطلاقة، وحتى ما ينشر عبر وسائل الإعلام العبية كانت تحرص على ترجمتها وقراءتها، كانت في حياتها بسيطة وهادئة.
أما مديرة طاقم شؤون المرأة نادية أبو نحلة، والتي تعرفت عليها خلال حملتها الانتخابية فتؤكد أن فلسطين فقدت امرأة ذات باع طويل ومهم في العمل السياسي والاجتماعي، تقول أبو نحلة: هي من السياسيات القلائل اللواتي سجلن بصمة في كل المجالات، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا".
تكمل:" تعرفت عليها قبل قدوم السلطة الفلسطينية عندما كانت تدير بعض المشروعات الاقتصادية مثل ترخيص السامر وكانت تملك معرضًا للملابس الجاهزة اسمه بوتيك فضة، كنت أراها امرأة مميزة، عام 1995 تعرفت عليها على مستوى آخر، فهي منخرطة في العمل السياسي.
تضيف أبو نحلة إنها واكبت الشوا منذ حملتها الانتخابية عام 1995 عندما كان طاقم شؤون المرأة ينفذ مشروع المرأة والانتخابات لدعم النساء في حملتهن الانتخابية، فكانت إنسانية مميزة في الخطاب الانتخابي، قادرة على استقطاب كل قطاعات المجتمع ومن كل الفئات.
تتابع إنها كانت تفهم جيدًا كيف تكون امرأة مؤثرة في القرار، لم تزيف برنامجها الانتخابي وبقيت ملتزمة به وبخطابها بطريقة تثير الإعجاب والتقدير، فهي نموذج للمرأة التي فرضت نفسها على المشهد السياسي، كانت الأقرب لوالدها ورافقته حين كانت يلتقى القناصل والمسؤولين، وقد قام الطاقم بتوثيق تجربتها المهمة في كتاب رائدات من بلدي.
ورغم أن الشوا حملت موقفًا رافضًا للكوتة النسوية وكانت ترى ضرورة أن تخوض المرأة السباق الانتخابي أسوة بالرجال، إلا أن أبو نحلة تؤكد :" هذا موقفها الذي نحترمه وكنا نرد بالمحاججة، فاختلاف الرأي لا يغير من واقع دورها الريادي".
أما بخصوص الانقسام فتؤكد أبو نحلة أن هذا كان أوضح مواقفها، فهي كانت تعبّر دومًا عن الغبن الذي تتعرض له غزة، وتقول أنه لا حل دون إنهاء الانقسام، وقد اشرفت من خلال مجموعة غزة للثقافة والتنمية على العديد من التدريبات المهمة للنساء وللقيادات الشابة.
إن اختزال تجربة امرأة باشرت عملها السياسي والاجتماعي مبكرًا، وتركت بصمة مهمة في مجال العمل السياسي بمواقفها الواضحة واستقلالية القرار الذي ورثته من والدها الحاج رشاد الشوا، و العمل الاجتماعي التمثل في التبرعات للجامعات، والاقتصادي في مجال توفير منح للمشروعات الصغيرة وخاصة للنساء، كل هذا يجعلنا نرثي امرأة فقدها الوطن فالبقية في حياتنا.
