قطاع غزّة - نوى
يبدو العيد عيدًا بحق، حين تظهر ملامحه في ضحكات الصّغار. مظاهر الفرح التي تبدأ بالغناء والتغنّي بالعيدية المنتظرة، ثمّ تمر على مراجيح يركبها أطفال يهتفون "طيري وهدّي يا وزّة، ع بلاد غزّة يا وزّة، خليكِ حزينة يا وزّة على عرق التينة، يا وزّة.." أو رقصات آخرين تتمايل على أنغام "أهلا أهلا بالعيد، مرحب مرحب بالعيد، العيد فرحة، وأجمل فرحة، العيد فرحة وأجمل فرحة..".
ما أصل العيديّة؟
هي عبارة عن مبلغ مالي يتم توزيعه علي الأطفال أيام العيد، ويعتمد المبلغ المادي علي عمر الطفل والقدرة الاقتصادية لمن يوزّعها حيث يرتدي الأطفال الملابس الجديدة ويطوفون بها الأحياء والبيوت ويعودون بعد ذلك للمنزل يعدون ما جمعوه من عيدية.
والعيديّة بحسب محمّد فرج أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة عين شمس، هي كلمة عربية منسوبة إلى العيد بمعني العطاء أو العطف وترجع هذه العادة الي عصر المماليك فكان السلطان المملوكي يصرف راتباً بمناسبة العيد للأتباع من الجنود والأمراء ومن يعملون معه وكان اسمها الجامكية.
وتتفاوت قيمة العيدية تبعاً للراتب فكانت تقدم للبعض علي شكل طبق مملوء بالدنانير الذهبية وآخرين تقدم لهم دنانير من الفضة والي جانب الدنانير كانت تقدم المأكولات الفاخرة.
"مصادرة" العيديّة
"عمري ما تهنّيت على عيدية، كل مرّة بتاخدها ماما وبتقول بدي خبيلك ياها وبتضحك علي" تقول الطفلة ميرنا الحلو 11 عامًا إن والدتها تأخذ عيديّتها في كل عيد بحجّة أن تخبئها لها وتعيدها في وقت لا يكون معها شيء إلا أنها لم تصدق. وتضيف الطفلة أنها تنتظر العيد بشغف كي تحصل على عيديتها التي تصل إلى 100 شيكل إسرائيلي/25 دولارًا لكن والدتها تعطيها الربع فقط، الأمر الذي يزعجها ولا تريده بكل حال حتى لو عوضتها لاحقًا فهي ترغب بالاستمتاع بها في أيام العيد كبقية الأطفال.
تعزو الأم السبب أنها لا تحب أن تعوّد طفلتها على التبذير وتتابع "هؤلاء أطفال، وهذه أسس التربية. صحيح أنه يوم أو يومين في السنة يحصلون على هذه المبالغ، لكنني أعود بعد العيد لاقتناء أشياء جديدة لهم يحبونها ويريدونها. كما أن الأوضاع الاقتصادية سيئة، أحيانًا وبصراحة أستفيد منها لتلبية حاجات أساسية للمنزل".
طفلة أخرى "أنا حصلت هذا العيد على 63 شيكل فقط، كل عيد كانت عيديتي أكثر ولكن ماما قالت لي أن الموظفين لا يقبضون رواتبهم الشهرية بشكل كامل وعلي ألا أحرج الناس وأطوف كل منازل أقربائنا كي أحصل على العيدية، والمبلغ الذي جمعته أمي أخذت نضفه والنصف الآخر لي" تقول زينة خليل 9 أعوام.
تعقب الأم "لست مع سحب العيدية، فهي مرة واحد في السنة، جميل أن ترضي الطفل ولكن ليس كما يريد هو، لأنه لا يعي ولا يدرك ما يفعله من صرف العيدية بشكل كامل في يوم واحد. فهذه مرحلة تأسيسية عليه أن يميز بين الصحيح والخطأ فيها"، متسائلة ماذا لو أعطيتها العيدية كاملة؟ أكثر من 100 شيكل أين ستصرفها؟ بالمنطق سوف تذهب هباءً منثورة على الحلويات والمثلجات بالطبع أو الألعاب البلاستيكية والمفرقعات التي يمكن أن تؤذيهم.
وبالنسبة إلى أطفالها جميعًا، تفيد أنها تحاول منذ بدء وعيهم أن تقنعهم بضرورة عدم التبذير، فيسلموها العيديّة بكل أريحية آخر يوم في العيد ويخبرونها ماذا يرغبون بالشراء، وأحيانًا تعيدها لهم كي يشتروا بأنفسهم ويثقون بها. ومن الحاجات التي لبتها لهم في السنوات الماضية "قاموس ناطق، وشراشف للسرائر، أو أقوم بأخذهم رحلة إلى المتنزه أو المطعم أو البحر أو أجلب لهم ما يحبون، كل حسب طلبه" وفق قولها.
وفي رد للطفل أيّوب الوادية 13 عامًا على سؤال هل أمك تأخذ عيديتك؟ أجاب "لا، حسستيني كل يوم عنا عيد عشان أسمحلها تاخدها، كلهم يومين بالسنة، كانت وأنا صغير تضحك علي ولكن الآن لا" بمعنى أنه لا يسمح لوالدته أن تأخذ عيديته على الإطلاق، كما كانت تفعل في السابق.
وبرغم الأوضاع الاقتصادية السيئة، التي يمر بها قطاع غزّة، تكاد تكون العيديّة من أهم مظاهر العيد، التي تضفي الفرح على الصغار والكبار حقيقةً.
