غزة-نوى:
تنتظر المواطنة رويدة مفيد العيد بفارغ الصبر كي تحظى بالعيدية التي يقدمها لها والدها وإخوتها الثلاثة وأعمامها، وتعتبر أنها فرصة مناسبة للحصول على مال تشتري به أشياءً خاصةً بها وما ينقص بيتها الذي تعجز عن توفير الكثير من احتياجاته.
وتعتقد الشابة العشرينية – من سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة- أن العيدية ليست مجرد عادة اجتماعية؛ بل هي أحد أشكال التكافل الاجتماعي خاصة بالنسبة للفتيات اللواتي يرغبن في شراء أشياء بنقودهن أو السيدات المتزوجات ويعانين أوضاعًا اقتصادية صعبة.
يعمل زوج رويدة –وهي أم لثلاثة أطفال- في الحكومة التي شكّلتها حركة حماس عقب الانقسام عام 2007 وبالتالي هو لا يتلقى سوى 40% من راتبه، وهو مبلغ بالكاد يكفي أساسيات البيت العادية، لذا تعتقد أن العيدية مهمة، خاصة وأن والدها وإخوتها ظروفهن المادية أفضل، لكنها تنفي قبولها العيدية لو كانت ظروفهم لا تسمح مؤكدة أن علينا أن نراعي ظروف أهلنا في حال كانت صعبة.
والعيدية هي مبلغ مالي يقدمه الرجال لمحارمهم وأقاربهم من النساء في العيد يعتمد على القدرة المالية لمن يوزع العيدية، وهي كلمة عربية منسوبة إلي العيد بمعني العطاء أو العطف وترجع هذه العادة الي عصر المماليك فكان السلطان المملوكي يصرف راتباً بمناسبة العيد للأتباع من الجنود والأمراء ومن يعملون معه وكان اسمها الجامكية.
وتُعدّ العيدية من العادات الاجتماعية التي يحرص عليها الشعب الفلسطيني منذ القِدم، ولكن نظرًا للظروف غير العادية التي يعيشها قطاع غزة المحاصر منذ 10 سنوات؛ وارتفاع نسبة الفقر إلى ما يزيد عن 64% اضطر الكثير من الرجال إلى تقليص العيديات بشكل كبير، بل إنهم يقدمونها خجلًا باعتبارها عادات من الصعب القفز عنها، خاصة وأنها تمثّل أحد الحلول المؤقتة للكثير من احتياجات النساء.
المواطنة نعيمة الشيخ "45 عامًا" –من مدينة جباليا شمال قطاع غزة- تتفق في الرأي مع سابقتها، وتعتبر أن العيدية هي عطاء حسب قدرة كل شخص ومظهر اجتماعي أكثر مما هو اقتصادي، وإحدى العادات والتقاليد التي ما زال المجتمع الفلسطيني يحافظ عليها، فتحصل على مبلغ لا بأس به من إخوتها وأعمامها يوم العيد وهذا يشعرها بالبهجة كما تؤكد.
واعتادت الشيخ وهي -أم لخمسة أبناء- شراء حاجيات لها بعد العيد، ما يشعرها أن هذه الأشياء اشترتها بمالها الخاص، بالتالي تحظى بجو نفسي إيجابي باعتبارها أحد أشكال التوادد المحببة لدى نعيمة، لكنها بكل الأحوال تعذر كل من لا تسمح ظروفه.
لكن ثمّة نساء يرفضن العيدية بسبب هذه الظروف، ويؤكدن أنه مرهون بالقدرة المالية للرجال تمامًا كما تحدثت رويدة، إلا أن من يعاني ذويها ظروفًا اقتصادية صعبة لا تنتظرها وتكتفي بالقول أن "دخول أهلها عليها أهم من المال"، خاصة في ظل الظروف الصعبة.
الشابة هبة صالح "26 عامًا" تقول أن العيدية شيء رمزي وليس التزامًا ضروريًا، لأنه يحتاج لميزانية كبيرة خاصة بالنسبة للعائلات التي لديها الكثير من الفتيات، وكله يقع على كاهل الأب والإخوة والأقارب الذي يعانون أوضاعًا صعبة، ويعرّضهم للإحراج الذي لا داعي له.
وترفض هبة –خريجة جامعية- فكرة اعتبار العيدية نوعًا من الدخل المؤقت للفتيات، معتبرة أن التخفيف عن الأقارب أهم ولن تنقص بهجة العيد ولا طقوسه شيئًا عندما لا تتسلمها الفتيات، فالكل ظروفه صعبة والتوادد يتحقق بالزيارة والتواصل الاجتماعي.
توافقها الرأي المواطنة إيمان عامر- من مدينة غزة- وتعتقد أن العيدية تسبب إحراجًا للأهل وقد تجبرهم على عدم زيارة أرحامهم، معتبرة أن مراعاة ظروف بعضنا البعض يتطلب من الفتيات المبادرة بالتنويه للأهل أنها تفخر بزيارتهم لا بالمال، وهذا سيرفع الحرج عنهم.
لدى إيمان ثلاثة من الإخوة، لكن ظروفهم ربما لا تسمح بالإنفاق على العيديات، وقالت :"إذا إخذنا بالاعتبار أننا وأخواتي أربعة، وجميعنا لدينا أطفال أيضًا سوف يضطر إخوتي ووالدي لمعايدتهم إحراجًا، إضافة إلى العمات والخالات وباقي الأرحام أصبحنا نتحدث عن مبالغ تفوق قدرتهم بكثير، أبلغت إخوتي أنني لا أريد عيدية".
ومع اختلاف وجهات النظر حول العيدية، لكنها ستبقى تقليدًا اجتماعيًا يحرص عليه الناس وإن تأثّر صعودًا وهبوطًا ارتباطًا بالظروف العامة لقطاع غزة، ولكن الأجمل من كل هذا هو حالة التفهّم التي سادت الجميع لمراعاة الظروف، والقناعة بأن زيارة الأهل هي أجمل ما يتحقق في العيد.
