غزة-نوى:
تتجول المواطنة سومة صالح في سوق الشاطئ غرب مدينة غزة حيث ينتشر بائعو السمك عادة؛ بحثًا عن الفسيخ الذي تشتريه استعدادًا لعيد الفطر السعيد، شقّت السيدة الأربعينية طريقها وسط الزحام الشديد لتقف أمام أحد الباعة وتمسك بالفسيخ وتشّم راحته وتقلّبه بيديها قبل أن تطلب 2 كيلو من فسيخ الجرع.
وقبل أن تغادر قالت لنوى :"الفسيخ هو عادة اجتماعية يحبه الناس في أول أيام العيد، لأننا نصوم شهر كامل لا يأكل الناس الموالح ويشتهون طعمًا مختلفًا، كما أنه عادة اجتماعية منذ الصغر ونحن نرى الجميع يشتري الفسيخ في كل عيد".
والحقيقة أن قلة من الناس تفقدوا "السمك المملح" قبل شرائه كما فعلت سومة، وقلة أيضًا من ينتبهون إلى الأعراض الصحية التي قد تصاحب أكله سواء بسبب ملوحته الزائدة أو بسبب سوء التخزين أحيانًا.
والفسيخ - السمك المملح- هو أحد الأكلات الموسمية ابتكره قدماء المصريين باستخدام سمك البوري، وهو أيضًا منتشر في قطاع غزة يتناوله الفلسطينيون لفتح شهيتهم بعد صيام شهر رمضان، يتميز برائحته النفاذة.
في مخيم الشاطئ القريب من شاطئ بحر غزة غرب المدينة، تعيش أسرة السيدة أم أيمن هنية التي اشتهرت منذ زمن ببيع الفسيخ في المواسم خاصة أنهم يعملون في بيع السمك وهو ما يسهّل مهمتهم، إلا أن أم أيمن تقول أن للتجار عادة زبائن محددة.
تقول أم أيمن أن عملية إعداد الفسيخ تحتاج مهارة كي يثق الزبائن أنه تم تحضيره بشكل جيد فلا يدخل إليه الهواء ولا تصله الديدان أو يصاب بالتلوث، وتشرح كيفية تفسيخ السمك بأنها بعد غسله وتنظيفه من الماء تضع كميات من الملح في خياشيم السمكة وترصّ الكمية كلها داخل برميل محكم الإغلاق وتتركه لثلاثة أشهر قبل البيع.
تضيف السيدة الستينية أنها وعائلتها تحضّر ما مقداره 600 كيلو يتم بيعها أواخر أيام رمضان ولزبائن غالبًا معروفين بالنسبة لهم، سواء مواطنين عاديين أو باعة فسيخ، وتحب أم أيمن تحضير الفسيخ باعتباره طعامًا لعادة اجتماعية يفضّلها الناس.
أما زوجها أبو أيمن والذي وقف أمام باب منزلهم برفقة ثلاثة من أحفاده الشبان وهو يوزعون كميات من الفسيخ على زبائنهم، فيقول :"الناس تحب الموالح بعد رمضان وهذا موسمه، بائع الفسيخ ينبغي ان يتحلى بالمهارة والأمانة حرصًا على سلامة المواطنين".
يشتري عادة أبو أيمن سمك الجرع المثلّج خلال شهر رجب –قبل رمضان بشهرين- ويعمل على غسله وتنظيفه وبعد عصره من المياه يتم وضعه في براميل كبيرة طبقة من السمك وطبقة من الملح بواقع كيلو ملح لكل كيلو سمك، بعد ملئ الخياشيم بالملح، ويتم إغلاقه بإحكام وتركه لثلاثة أشهر يتفقدها بين فترة وأخرى للاطمئنان على سلامته.
أما عن اللون الأصفر الذي يتم صبغ الفسيخ به فلا يعرف أبو أيمن سبب اختياره لكن يؤكد أن عملية التفسيخ لا يتم خلالها وضع ألوان، فقط عند البيع يتم رش القليل من الصبغة الصفراء وهو لون يحبه الناس ويقبلون عليه.
عودة إلى سوق الشاطئ حيث ينادي بائع الفسيخ علي مقداد على بضاعته من فسيخ الجرع وبعد أن خف الازدحام حوله قليلًا قال لنوى إن الناس يفضّلون الفسيخ المُحضّر من سمك الجرع كونه أفضل طعمًا وأرخص ثمنًا فالكيلو منه يكلف 25 شيكل مقابل 35-40 شيكل للفسيخ المصنوع من سمك البوري.
ويؤكد مقداد الذي يضع أمامه برميلًا أبيضًا ملئ بالفسيخ أن الفسيخ الجيد يكون ناشفًا وليس طريًا، غن كان غير ذلك فهو لم يتم تحضيره بشكل جيد ولم يأخذ وقته في التفسيخ، بالطبع هو لا يؤثر على الصحة إنما لن يكون طعمه كما يحب الناس.
في مقابلة مع د.محمود الشيخ علي أخصائي التغذية يعرّف الفسيخ بأنه نوع من السمك المملح لا يحتوي على قيمة غذائي عالية لاختفاء جزء كبير من الفيتناميات والمعادن نتيجة عملية التفسيخ وهو أنواع مختلفة كله يجتمع على أنه يحتوي على كميات كبيرة من الملح.
عن أضرار الفسيخ يقول الشيخ علي إنه يؤدي إلى احتباس السوائل بالتالي ارتفاع الضغط ومشاكل صحية أخرى ناهيك عن طريقة التفسيخ التي قد تكون غير صحيحة وتؤدي إلى تكوّن فطريات وبكتيريا تؤدي إلى حالات تسمم، لذا لا بد من شرائه من عند اناس ثقة بأنهم يجيدون المهنة.
ويضيف أنه جزء من العادات التي اعتادها الفلسطينيون ولا يمكن الاستغناء عنها ولكن مع الأخذ ببعض النصائح وهي نقعه بالماء والخل قبل استخدامه ووضع القليل منه على الطعام كي لا يضطر الانسان الى تناول كميات كبيرة منه وان يتم فحص الفسيخ عند الشراء فوجود تجمعات بيضاء داخله يعني أن هناك نوع من الديدان أو البكتيريا وأن ننظر جيدًا في عيني الفسيخ وتحديدًا الرنجة، فهناك انسا يجهلون طريقة تحضير هذا النوع من السمك، وشرب كميات كبيرة من المياه.
ساعات وينبلج الصباح عن نهار جديد تحم لشمسه شروق أول أيام عيد الفطر السعيد وعقب الصلاة مباشرة سوف يشم الجميع رائحة الفسيخ المنبعثة من المنازل، لتبقى هذه عادة اجتماعية يحبها الناس رغم كل شيء، وكل عام ونحن بخير.
