غزة-نوى:
عشرة أعوام مرت على أحداث حزيران 2007 شبّ خلالها جيل كامل من الشباب الفلسطيني منتهك الحقوق فاقد للكثير من المقوّمات الحياتية التي أفرزها الانقسام، كل هذه الأعوام من الحصار والاحتكام للقوة زادت من تعقيد الواقع في مجتمع تفاقمت أزماته وبلغت نسبة الفقر فيه 64% والبطالة 42%، بينما تعتمد نحو 80% على المساعدات الإنسانية.
الشباب كانوا من أكثر الفئات تضررًا، فهم كبروا تحت سيف واقعٍ حطّم أحلامهم سواء بإيجاد وظائف مناسبة وحتى من يسعى لمشروع خاص فإن الفقر الشديد يقف عائقًا، ناهيك عن حرمانهم من صناديق الاقتراع وهم الذين شهدوا آخر انتخابات عام 2006 أطفالًا وانتظروا اللحظة التي يمنحهم فيها القدر فرصة اختيار ممثليهم.
تقول الشابة سجود أبو حسنين وهي خريجة لغة انجليزية :"حين حدث الانقسام كنت أبلغ 12 عامًا، طفلة ولا أفهم ما يعنيه ذلك رغم أننا نتربى في مجتمع كله يتحدث بالسياسة، لكن اكتشفت أن الوضع صعب جدًا"، كانت سجود تتمنى أن تصبح شخصية مؤثّرة في المجتمع وتتقلد وظيفة تناسب طموحها لهذا درست اللغة الانجليزية.
لكن سجود تدرك الآن صعوبة الواقع وتعلّق :"أصبحنا نكره السياسة بسبب ما فعله بنا الساسة، أنظروا أين أصبحت قضيتنا وكيف هو مستقبل الشباب، لا حياة مناسبة ولا افق لمستقبل معقول لدرجة أننا نجد البارزين منهم يهاجرون بحثًا عن كرامتهم وإنسانيتهم، أصبحت الهجرة أحد طموحاتنا ولم نكن نريد هذا".
تجزم سجود أن الجهات الحاكمة تسببت في الكثير من المعاناة للشباب الفلسطيني، فقد حرموا صنادق الاقتراع وتسببت مناكفاتهم في حجب الشباب عن العالم الخارجي فهم غير قادرين على السفر، خسرن=ت قضيتنا الوطنية الكثير لدرجة أصبحنا مطالبين بإثبات أننا لسنا إرهابيين ونحن الذين كنا نفخر دومًا بطهارة نضالنا.
توافقها الرأي الشابة ربا عطا الله طالبة الحقوق التي تضيف:"عشت صباي في ظل الانقسام وصراعات الإخوة الأعداء وتمسك كل طرف بموقفه، الحياة حولنا تغيرت على كل المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، قبل الانقسام أذكر جيدًا أن الحياة كانت أبسط والناس أبسط في حملهم للأفكار والمعتقدات الآن الكل متعصّب".
إلا أن ربا تجد أن أصعب من أفرزه الانقسام على مستوى الوضع الخارجي هو علاقتنا مع الدول الأخرى وخاصة مصر وإغلاق معبر رفح البوابة الوحيدة للمواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة، أيضًا تأثّر الشباب على المستوى الثقافي، فقد حُرم الكثير منهم فرصة السفر أو تلقّي الكتب والقراءة إلا من خلال بدائل ليست كافية، كل هذا أدى إلى وجود كتلة مجتمعية قليلة الثقافة وقليلة الثقة بالنفس".
كانت ربا تطمح كما تؤكد أن تعطي كل مرحلة في حياتها حقها، إلا أن مرحلة الشباب تضيع منها تحت رحى الانقسام وتبعاته، الكثير من الأشياء تفتقدها على المستوى الشخصي والعام وتخشى ألا تجد سبيلًا إلى النجاة بنفسها خارج البلد، فالإنسان خُلق ومعه حقوقه الشخصية والمعنوية فالعمل حق والسفر حق وحرية الرأي والتعبير والزواج والانتخاب والترشح وتطوير الذات، كلها أمور من الصعب تحقيقها.
أما الباحث في شؤون الشباب إسلام عطا الله فيرى أن الانقسام أفرز جيلًا من الشباب، مثقلين بهموم وتحديات مختلفة عن الأجيال السابقة الذين كانت تحدياتهم تتلخص في ما أفرزه المشروع الصهيوني والحالة النضالية التي نعيشها.
ويكمل أن التحديات بعد الانقسام مختلفة فهي منوطة بالحالة الداخلية التي انعكست على طاقتهم بشكل مباشر واستنزافها بعيدًا عن أى مشروع وطني تحرري، فدائمًا ما تسطر الحالة الثورية ثقافة وإبداع تولده التحديات الثورية التي تعزز التماسك المجتمعي ووحدة المصير.
ويعتقد عطا الله أن الطاقة الشبابية هي المحرك الذى استزف بعد الانقسام بمشاكل وتحديات مختلفة متجهة للخلاص الفردي والاحباط العام، وتفتيت المجتمع بعد أن تغيرت البوصلة الوطنية من الاحتلال الى الداخل وصراع الاخوة وحالة الاستقطابات والمناكفات التي شرعت الكراهية الحزبية.
