غزة-نوى-شيرين خليفة:
مفاجأة حقيقية صدمت المؤسسات الأهلية في فلسطين عندما أقدمت النرويج على سحب تمويل كانت قد قدمته لمركز دلال المغربي- إحدى المؤسسات النسوية أسسها طاقم شؤون المرأة في قرية برقة غرب مدينة نابلس-، لتتبعها الدنمارك بإعلان تعليمات صادرة عن خارجيتها اعتزامها إعادة دراسة تمويل مؤسسات أهلية فلسطينية.
الموقفان النرويجي والدنماركي كانا نتيجة ضغوطات مارستها وزارة الخارجية الإسرائيلية مؤخرًا طلبت فيه من المانحين الكبيرين وقف تمويل مؤسسات فلسطينية يتهمها الاحتلال الإسرائيلي بالتحريض، لكن في الوقت ذاته فإن الأمر يعبّر عن خسارة فلسطينية لساحات أوروبية كانت صديقة للشعب الفلسطيني، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول سبب هذا التحوّل وكيف يمكن أن يتصدى الفلسطينيون لهذه الحملة.
الموقف ليس سهلًا كما تقدّره سريدة حسين المدير العام لطاقم شؤون المرأة، والتي قالت في حديث لنوى إن خطر سحب التمويل يؤثر على المؤسسات وينبغي أن يتداعى الجميع لنقاشه، فما حدث جاء نتاج لضغط إسرائيلي منظم منذ سنوات.
وكان المركز النسوي الذي أسسه طاقم شؤون المرأة قبل أربعة شهور، حصل على تمويل نرويجي بلغ 10 آلاف دولار عن طريق لجنة الانتخابات الفلسطينية، ولجنة المرأة التابعة للأمم المتحدة والتي تدعم مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتخابات.
وقالت حسين إن حركة المقاطعة الدولة BDS كانت موجعة حقًا للاحتلال بالتالي فالاحتلال يسعى للرد، وهذا يتطلب من المؤسسات الأهلية والرسمية العمل على تثبيت الرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الاسرائيلية لدى البرلمانات والمؤسسات الغربية، وتكاتف الجهود الفلسطينية رسميًا وشعبيًا لمواجهتها.
المؤسسات الأهلية الفلسطينية واستشعارًا للخطر، سارعت بعقد اجتماعات لمناقشة الأزمة وبلورة موقف مشترك كما يؤكد مجدي أبو زيد المدير التنفيذي لائتلاف أمان؛ الذي يضيف إن الشعب الفلسطيني ومؤسساته لم يقبل التمويل المشروط ويطلبوا على الدوام أن تكون العلاقات مع المانحين قائمة على الشراكة والاحترام وفق الاحتياجات.
ويؤكد أبو زيد أن هناك مؤشرات بأن دولًا أوروبية أخرى في طريقها لذات الموقف، لكن حسب تقديره ما حدث ليس له علاقة بتدخل المانحين في عمل المؤسسات الأهلية؛ إنما نتيجة لهجمة إسرائيلية منسّقة ومرتّبة في أوربا وكل الدول الصديقة للشعب الفلسطيني التي تقدم خدمات للمجتمع الأهلي.
حتى السلطة الفلسطينية حسب أبو زيد هناك هجمة إسرائيلية ضدها، ورغم ملاحظات أمان على أدائها لكن أكد أن أمان لا تتركها عرضة للابتزازات الإسرائيلية، معتبرًا أن الهدف هو تركيع الشعب الفلسطيني على المستويين الرسمي والشعبي.
لكن ثمة تحذير أطلقه أبو زيد من أننا نخسر ساحات أوروبية كانت صديقة للشعب الفلسطيني، مثل بريطانيا وفرنسا وحتى في إفريقيا، معتبرًا أننا كفلسطينيين نتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، فالمؤسسات الأهلية لها صداقات وكذلك السلطة الفلسطينية تتحمل مسؤولية أكبر فهي مقصّرة في الأداء وتنشغل في المناكفات الداخلية وتخسر دولًا تاريخيًا كانت معنا.
وقال أبو زيد إن علينا الرد بهجمة مضادة وبشكل موحد في البرلمانات الأوروبية ونشرح موقفنا لهم، فنحن طلّاب حرية وليس هدفنا العنف، وهذا حق للشعوب وفقًا للقوانين الدولية، معربًا عن امنياته أن يتم التنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية في هذا الشأن لأن إسرائيل تستثمر مليارات الدولارات في هجمتها.
أما أمجد الشوا مدير شبكة المنظمات الأهلية فأكد أن ما حدث فيه إذعان للشروط الإسرائيلية وانتهاك لأسس العلاقة بين شعبنا الفلسطيني الذي هو ضحية الاحتلال وانتهاكاته ومبادئ الامم المتحدة، إذ يتوجّب توفّر البعد الأخلاقي في التعامل مع فلسطين.
وحذّر الشوا من أن هذا سيؤدي لتأثيرات خطيرة خاصة أن حجم التمويل الذي تتلقاه المؤسسات في فلسطين يتضاءل بشكل كبير سواء على الصعيد الإنساني أو التنموي في حين تتزايد إجراءات القمع الإسرائيلية وهذا يعمّق الأزمة الإنسانية.
وأكد أن المؤسسات بدأت التحرك رفضًا لهذه الإجراءات ومطالبة الدول الالتزام بمبادئ الأمم المتحدة في التعامل مع شعبنا وتمكين مؤسسات المجتمع، فما يحدث هو إضعاف لها، مشددًا على رفض المؤسسات ارتهان التمويل للانتقاص من حقوقنا ومواقفنا الوطنية فأسماء الشهداء والثوابت الوطنية شيء لا تراجع فيه مقابل التمويل، وموقف الشبكة من وثيقة "الإرهاب" الأمريكية كان واضحًا.
بدوره قدّر حيدر عيد عضو هيئة المقاطعة الأكاديمية والثقافية في BDS أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي تقوم بحملة عالمية مضادة لحركة المقاطعة التي تعمل على عزل إسرائيل دوليًا، فالقضية أن هناك استجابة كبيرة لهذه الحركة التي انطلقت عام 2005 بعضوية 70 مؤسسة مجتمع مدني ثم انتقل إلى الحكومات كما حصل مع جنوب إفريقيا، بالتالي تقوم إسرائيل بحملة مضادة ضد شعبنا تستهدف مؤسسات المجتمع المدني.
ونفى عيد أن تكون حركة المقاطعة تأثرت بهذه الحملة بل ستستمر وتنتصر، فإسرائيل تحارب BDS من خلال دول متواطئة معها، الدنمارك ليست أكثر يمينية من بريطانيا، وكذلك عندما سحبت النرويج تمويلها هناك اتحاد عامل في عضويته نحو مليون عامل يتضامنون ويتبنون نداء المقاطعة، وأكد أن المؤثرين في حملة المقاطعة هم من المتطوعين ولا يعتمدون على تمويل وهذا يجعل محاربتها في غاية الصعوبة.
وذكّر أن المؤسسات لديها الكثير من البدائل فتاريخ مؤسسات المجتمع الأهلي في المقاومة الشعبية إبان الانتفاضة الاولى معروف، وكانت تعتمد على ذاتها وتأييد الجماهير، ويجب ألا تقبل المساومة فهي إن قبلت ستخسر قاعدتها الشعبية وتخسر تأييد الكثير من المجتمع المدني الدولي، بل توطيد العلاقة مع منظمات المجتمع المدني الغربية أفضل وكشف زيف الاحتلال وادعاءاته، خاصة وأن ما فعلته النرويج والدنمارك يخالف القانون الدولي والقوانين المحلية لهذه الدول.
لكن مع بقاء احتمال أن تحذو دولًا أخرى ما فعلت النرويج والدنمارك يفرض على الفلسطينيين جميعًا ضرورة التحرك سريعًا لإنقاذ الرواية الفلسطينية في الغرب، فطالما كنا نفخر أننا أصحاب قضية العادلة الآن تختلط الحقائق مع دول كنا نعتقد أنها صديقة.
