القاعدة في الوطن أن تكون متهما والاستثناء أن تكون بريئا ...
القاعدة لها استحقاقاتها التي تنسحب على كل مناحي الحياة في الوطن وتصبح مقياسا يقاس به، ومن هنا نصبح نلاطش في حالنا لأننا لم نحسن صنعا ولن نحسن صنعا حتما.
حتى لا اخل في مدخل قد يبدو فلسفياً وكأنني انتقل إلى مربع من يكتب لنفسه وخمسة حوله من مريديه، ولن أكون كذلك على الأقل سأجتهد لكي لا أكون كذلك وقد أقع في شر أعمالي في نظر الآخرين.
لست خبير تشريعات ولست جزءاً من المنظومة التشريعية في دولة فلسطين ولكنني استطيع القول بكل تواضع أن جهدا بذل بقيادة ديوان الموظفين العام، وبالشراكة مع بقية الوزارات في دولة فلسطين، على إعداد قانون الخدمة المدنية الجديد، وتم تعميمه على المواقع الإلكترونية في حلقات نقاش متخصصة لنقاشه، ونشر على موقع رئاسة الوزراء الإلكتروني لإبداء الرأي بخصوصه.
جرياً على القاعدة، بات الديوان والشركاء متهمين ويجب أن يثبتوا براءتهم دون وجود مقياس واضح يقاس به مدى نجاعة هذا القانون، وقد يكون هناك وجاهة في الاعتراض أو طلب التعديل، أما الإلغاء الكامل والتوقف عن نقاشه فأمر فيه من الوضوح ما يكفي لجعل القاعدة أن تكون متهما في الوطن.
في الوطن، اذا نلت وظيفة في أي مؤسسة من مؤسساته على اختلاف انواعها فانت متهم بانك صاحب واسطة ومحسوبية، وبالتالي فإن منافسيك الذين تقدموا للامتحان ولم يستدعوا للمقابلة ولم ينالوا الوظيفة فهم من الكفاءات الذين يستثنون لأنهم لا يمتلكون واسطة ومحسوبية، سبحان الله.
في الوطن اذا بادرت لأي نشاط وحشدت له جمهوراً ومتحدثين من العيار الثقيل وميسري جلسات فاعلين فأنت متهم بأنك بعت نفسك بثمن بخس دراهم قليلة لمن يرعى هذا النشاط ولمن مول هذا النشاط، بينما من ينتقد ويتهم بدون دليل وبدون خلفية بيضاء فهو بريء حتى لو خاض تجربة نشاط وحضر نشاطه عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة يظل في نظر نفسه بريئاً، ومن يبادر وينجح فهو متهم.
ولقد تجلى هذا الأمر في كيل الاتهام لكل من بادر وشارك وهتف وتظاهر ورفع علماً إحياء لذكرى النكبة حتى لا تتكرر النكبة، أما من غادر مكان عمله أو مؤسسته الأهلية أو مكانه الذي هو منتدب اليه من وظيفته الأصلية وذهب صوب المقهى لتدخين الأرجيلة أو صوب بيته أو صوب شلته فهؤلاء هم الأبرياء بعينهم والحريصون على المصلحة الوطنية العليا ومرجعياتها وثوابتها وعدم تكرار النكبة، ويتهمون من أحيا الذكرى واتعظ ويتهمون من تظاهروا إحياء للذكرى.
وبات الأبرياء المفترضون يعتبرون ان إحياء النكبة حالة احتفالية راقصة تتساوق مع مهرجان عروض الأزياء والعياذ بالله، وبات من أحيا الذكرى متهماً وعليه أن يثبت براءته وصدق نواياه.
ترى ما هي المقاييس لجودة الأمور كلها رغم أن كل شيء بالإمكان قياسه والحكم على المقياس نفسه يتفاوت من رؤية إلى أخرى ولكننا نمتلك مسطرة للقياس بها، باستثناء الرأي القابل للأخذ والرد والقبول والرفض فلا يقاس بذات المسطرة.
من هنا تبرز أهمية الريادة والرواد والمبادرة والمبادرين، لأننا في هذا الواقع قد نجد خوفا من أن تطالهم قاعدة الاتهام حتى تثبت براءتهم بعد عمر طويل.
نعم يتراجع المبادرون في مناحي الحياة كافة حرصاً على الابتعاد عن سهام التشهير والتجريح، ويصبح التساوق مع النمطية السائدة هي الأسهل وليسلم رأسي، والخلاص الفردي والنجاة أفضل من المبادرة والريادة ولتوزع جوائز الريادة والمبادرة على من يريدون، ودعونا ننجو برأسنا ولا نبات متهمين. أما الكسالى والقاعدون والمستنكفون هم الأبطال ظنا منهم أن التاريخ سيكتب أسماءهم بماء الذهب.
من الطبيعي أن ترى حالات من الهذيان والتخبط تسمى عملاً مجتمعياً أو مؤسسياً وتجد من يلتف حوله من باب الحفاظ على السلامة التامة والخلاص الشخصي وابتعادا عن التهم الجاهزة لكل مقاس.
بالتالي يصبح الاتجار بالأغذية الفاسدة وساما يوضع على صدر البعض وقد يبادر هذا البعض ذاته إلى المطالبة بمحاكمة متهمين آخرين بذات تهمته على أساس انه يقوم بخدمة مجتمعية يتستر بها ولا يجوز مساءلته، واللي استحوا ماتوا.
الى اين ذاهبون؟؟؟
دعونا نقفز عن التوصيف الجاهز للإجابة إلى ( نكبة جديدة، كارثة، انتحار جماعي ).
ونقول أن البوصلة موجودة .. ومقاييس جودة الأداء الذي يقود الى مستقبل أفضل قائمة ... وحكمة محمود درويش قائمة ( البيت اجمل من طريق البيت) ... والمأسسة معايرها واضحة ... والمساءلة والنزاهة وحرية التعبير والنقد الموضوعي معاييره واضحة ...
يبقى أن نختار طريقنا على أساس معايير الجودة لنصل الى الأفضل ... وأما على معايير سوء الاستخدام وعدم الأهلية فنحصل على شيء لا علاقة له بمستقبل بل تكرار للحالة السلبية القاتمة.
رفقا بنا من قاعدة "الشعب متهم وعليه إثبات براءته"
تاريخ النشر : 2013-05-18 16:07
