غزة-نوى:
ليست ميثاقاً جديداً كما يرى الكثيرون، بل وثيقة للمفاهيم والسياسات، تحمل معها رؤية أكثر واقعية تجاه مختلف المتغيرات، بعد تجربة تقترب من ثلاثة عقود في العمل السياسي والوطني، هكذا يمكن وصف الوثيقة التي أعلنتها حركة حماس من الدوحة وغزة بالتزامن، تحمل معها رؤيتها ومواقفها من مختلف القضايا، فما هو الجديد في هذه الوثيقة؟، وما الذي تحمله للمستقبل؟ وفِي ماذا اختلفت الوثيقة عن الميثاق؟، أسئلة يحاول هذا التقرير الإجابة عنها.
يقول الباحث السياسي طلال أبو ركبة أن الوثيقة الجديدة لحركة حماس جاءت لتعبّر عن تغيير حقيقي وتطور مهم في فكر الحركة السياسي وهو يتقارب أو يتقاطع مع فكر ورؤية الإطار الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويلتقي مع البرنامج المرحلي ووثيقة الاستقلال ، ومن هنا فإنه يمكن البناء عليه لإحداث تقارب حقيقي ما بين الحركة والمنظمة في إطار العلاقات الفلسطينية الداخلية.
وأضاف أن الوثيقة لم تعد تنظر للمنظمة بصفتها علمانية، وإنما بصفتها إطارًا وطنيًا جامعًا ، إضافة لرؤية الصراع على أساس سياسي مرتبط بالاحتلال، وليس صراع وجودي مرتبط باليهود، وهو اختلاف كبير عما كان عليه ميثاق الحركة الأول، إضافة لذلك فإن الحركة أيضًا نفت عن نفسها ما يوجه لها من اتهام حول رؤيتها الوطنية، واتهامها بتبني مشروع إسلامي مناهض للمشروع الوطني حيث عرفت نفسها بحركة تحرر وطني فلسطيني ومن ثم إسلامي.
ويعتبر أبو ركبة أن الوثيقة عملت على فك الارتباط مع كافة قوى الإسلام السياسي في المنطقة معتدلًا كان أم متشددًا ، وتحديدًا الاخوان المسلمين لخلق حالة من القبول العربي لها أولا ومن ثم الدولي، لكن الملاحظة المهمة والتي يجب التركيز عليها أن الوثيقة لم تطرح الأدوات والآليات القادرة على تحقيق ما جاء فيها.
لكن ثمة من يرى أن الوثيقة موجهة بشكل أكبر للخارج وليس للداخل الفلسطيني في إطار سعي حركة حماس للحصول على قبول دولي، وربما تأتي تصريحات خالد مشعل لشبكة CNN الأمريكية وجّه فيها رسالة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب قائًلا أن وثيقة حماس الجديدة فرصة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لعمل مقاربة جديدة تلتقط فيها الموقف الإيجابي الحمساوي والفلسطيني والعربي.
مشعل قال في مقابلته للقناة الأمريكية أن الإدارة الأمريكية تستطيع أن تحدث تغييراً في ملف الصراع العربي الفلسطيني مع إسرائيل، وأن ما ورد في الوثيقة يكفي لأي منصف في العالم خاصة في العواصم الدولية أن يلتقط الفرصة ويتعامل بجدية معها ومع الفلسطينيين والعرب"، مشددًا على ضرورة أن تضغط على إسرائيل.
تعقّب د. عبير ثابت أستاذة العلوم السياسية في مقال لها اليوم بأنه من الجيد أن يقوم أى حزب بمراجعات لسياساته خاصة تلك الأحزاب التي تنتمى لأيديولوجيات مرجعية، ويبدو أمراً جيداً أن نرى اليوم حركة أيديولوجية كحماس تقوم بإصدار وثيقة مراجعات لسياساتها وأفكارها حتى وإن كانت موجهة لطرف دولي بعينه.
وتعتقد ثابت أن على أي حزب سياسي أن يتوجه أولًا لجمهوره وشعبه قبل أي طرف آخر، لأنه مصدر الشرعية والدعم والنفوذ الأساسي والرئيسي له، لكن من الواضح أن الوثيقة الجديدة سالفة الذكر ليست مراجعة فعلية بقدر ما هى خطوة أولى في طريق معروف ومجرب سار فيه كل حركات التحرر الطى أخفقت في تحقيق أهدافها بالراديكالية الثورية المسلحة والتي ترفض الاعتراف بالإخفاق فتلجأ إلى التراجع خطوة للوراء.
وأضافت: "لم تقدم الوثيقة جديد بل هي نسخة عن مبادرة النقاط العشر التي أعلنها الشهيد الراحل ياسر عرفات فى ثمانينيات القرن الماضي ولكن بديباجة جديدة، ولعل الفرق الحقيقي والجوهري هنا أن الراحل ياسر عرفات كان رئيس منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين ولم يكن يمثل تنظيماً بعينه بل كان يمثل قيادة الشعب الفلسطيني، وكانت الجغرافيا السياسية في المنطقة أقل قسوة وتعنتًا مما هي عليه اليوم...".
يختلف قليلًا الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل في الرأي الذي رأى بأن الوثيقة هي تطورًا مستحقًا لحركة تحوز على بعض عوامل القوة وعلى دو وتأثر بارز في الحياة السياسية.
ويؤكد عوكل في مقال نشره اليوم أنه لا يمكن اعتبار هذه الوثيقة السياسية، عملاً تكتيكياً، يستهدف فقط معاونة الحركة على تجاوز عديد الأزمات التي تجابهها في علاقاتها الفلسطينية والعربية. هي إذن حصيلة مراجعة لثلاثين عاماً منذ الإعلان عن تأسيس حماس في عام 1987، والميثاق الذي اشتغلت عليه منذ إقراره في العام 1988م.
لكن عوكل ينتقد الوثيقة بقوله أن الحركات السياسية التجديدية، (أي التي تجدد ذاتها) انطلاقاً من تغير العوامل الذاتية والموضوعية، لا تكتفي بتقديم وثيقة مختزلة من هذا النوع، وإنما تقدم تقريراً مفصلاً عن الأسباب التي أوجبت التغيير، وتمر على نقاط القوة والضعف، والإخفاقات والإنجازات التي عاشتها الحركة، ووجب تغييرها أو تطويرها.
ويكمل :"الحركات الديمقراطية التي تعتني بمزاج ورأي النخب، والجماهير، عادة، تطرح الوثائق الأساسية للنقاش والجدل، وإمكانية إدخال بعض التعديلات، قبل أن تتخذ قرارها النهائي بالمصادقة على الوثيقة، حيث لا يمكن الاستفادة من بعض الملاحظات او الاقتراحات التي قد تفيد الوثيقة. نظرياً، وجب القول، إن الوثيقة تقدم حركة حماس جديدة، كما وصفها بعض الكتاب المحسوبين على حركة حماس. فهي قد صيغت بلغة عصرية، سياسية وقانونية دقيقة، طغى عليها البعد السياسي على البعد الديني، وهي وثيقة وطنت حركة حماس، بحيث تقدمها اليوم على أنها حركة وطنية فلسطينية إسلامية بدون مرجعيات وارتباطات فوق وطنية".
