غزة-نوى:
"هل أضرت وسائل الإعلام الاجتماعي بالنساء؟"؛ لا تبدو الإجابة بنعم أو بلا مطلقة، فرغم ما أتاحته هذه الوسائل من مجال للتعبير عن الرأي؛ إلا أنها بالمقابل أوجدت نوعًا من التفسّخ في النسيج الاجتماعي لنساء بات الهاشتاج و"مقصودة" و"الضرة" الالكترونية والبرود العاطفي إحدى منغصات الحياة التي تعانيها الكثير من النساء في قطاع غزة.
واقع أكدته الباحثة والإعلامية هداية شمعون في كلمة لها خلال مؤتمر بعنوان "اساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وقضايا النساء"، نظمته جمعية المستقبل لرعاية ضحايا العنف بالتعاون مع سواسية، ضمن مشروع بعنوان "تمتين".
شمعون أكدت أنه رغم الكثير من الإيجابيات لمواقع التواصل الاجتماعي إلا أنها أدخلت الكثير من الناس في مشاكل اجتماعية بسبب تعليقات على الفيس بوك لدرجة دفعت نساء لوصف الأقارب على الفيس بوك بأنهم "أبراج مراقبة"، إضافة غلى مسألة البرود العاطفي والتعامل القاسي من خلال الحظر وعدم أنسنة العلاقات على وسائل التواصل الاجتماعي.
ماذا لو تخيّلنا أن امرأة تعرضت للضرب بقسوة لأنها نشرت صورة ابنها الذي نجح بتفوّق قبل زوجها، وماذا عن انتقال المسألة إلى التباهي غير الجيد وغير المدرك كما تصفه شمعون، فالمسألة استفحلت لتصل إلى حدّ النفاق الاجتماعي وهنا ندخل في الأمراض النفسية والعزلة.
تضيف شمعون إن الحماية ليست كاملة على وسائل التواصل الاجتماعي، فالكثير من الناس يتعرضوا للابتزاز، خاصة وأن مفهوم الخصوصية تائه فالناس لا تعرف أن ما تنشره أصبح على العام، البعض لا يفكرون بهذه المسألة لكنها مهمة.
تعتبر النساء الفلسطينيات الأكثر استخدامًا للفيس بوك على مستوى نساء الوطن العربي، لكن شمعون ترى أن هذه المسألة تستحق التوقّف، وسائل التواصل الاجتماعي مهمة لكن إذا ذهبت في زاوية أخرى فلن تكون النتيجة إيجابية، ونوهت شمعون إلى أن هناك ارتباط واضح بين مسألة الفراغ في الواقع والانهماك في العالم الافتراضي.
لكن شمعون توصي بضرورة أن يكون هناك برامج توعية لكل الفئات بأنه من المهم إدراك أن هذا الموضوع يهم الجميع، فالحصار والانقسام يجعلنا دومًا نؤجل القضايا الاجتماعية لصالح السياسية، مع أن الأهم هو الاستثمار في الإنسان لأنه موردنا الحقيقي، إضافة إلى ضرورة وجود دراسات ترصد المحتوى الذي يتم نشره لأنه يعطي مؤشرات مهمة نحو برامج تدخل وأن تكون هذه البرامج حساسة لتدريب غير الإعلاميين.
مسألة ما يتم نشره على وسائل التواصل الاجتماعي تنطوي أيضًا على مسؤولية قانونية قد لا ينتبه له الكثيرون، فكما أكد الخبير القانوني طارق الديراوي فإن هناك الكثير من جرائم التشهير والسب والقذف يجرمها القانون رغم أن المشرّع لم يتطرق لجانب الجرائم الالكترونية ولم يعالجها.
لكن يؤكد الديراوي أنه لا يمكن ترك هذه الأمور دون معالجة فهناك سرقات الكترونية وهناك تحرش واستغلال للأطفال وهي أمور منصوص عليها في القانون إلا أن هناك ضرورة لتدخّل المشرّع كما فعلت الكثير من الدول.
لكن بكل الأحوال يقف الانقسام حائلًا دون صدور مثل هذه القوانين، فحتى لو أصدر الرئيس قرار بقانون قلن يتم تنفيذه في غزة بسبب الانقسام، كذلك هناك خصوصية للجرائم الالكترونية إذ توجد صعوبة في إثباتها فقط يكون الطرف الآخر من دولة أخرى أو قد يكون الاسم مستعارًا وهذا يتطلب أن يكون هناك محققون مدرّبون على مثل هذه الأمور وهي تكنولوجية بالكامل.
فحتى الإجراءات الجزائية المتعلقة بالجرائم الالكترونية عادة تكون مختلفة عن العادية، إذ يجب أن يكون مأمور الضبط القضائي في هذه الحالة مؤهلًا لمثل هذه الأمور، ويجب أن يكون معروفًا ما هي الإجراءات التي تتخذها النيابة في مثل هذه الأمور.
وبالعودة إلى الانعكاس المباشر على النساء لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، فقد تسببت في العام 2016 بخمسين حالة طلاق في قطاع غزة من أصل 3000 حالة رصدتها المحكمة الشرعية، كما أكد أبو محمد البحيصي مدير دائرة الإرشاد الأسري في المحكمة الشرعية.
البحيصي عاد إلى إحصائية عام 2010 والتي بلغت نسبة الطلاق فيها 13% وبتحليل الأسباب تبيّن أن المؤشرات لم يكن من بينها "الفيس بوك" وإنما أسباب ذات علاقة بالخلافات العائلة وتدخل الحماة ورغبة الزوجة في السكن بمنزل مستقل والمعاشرة الزوجية بشكل غير شرعي و إدمان المخدرات.
وتحدث البحيصي أن المحكمة في عدة حالات تقدمت بها الزوجات حصلت على إذن بتصوير محادثات للأزواج وتبين إقامتهم علاقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، موضحًا أن الثورة التكنولوجية واستخدام نسبة عالية من الناس لمواقع التواصل الاجتماعي أثّرت بشكل كبير على العلاقات الأسرية وأحدثت فجوة.
ويوصي البحيصي بضرورة أن يكون هناك نوع من التواصل الفعّال لمعرفة كيف يستخدم الأبناء وسائل التواصل الاجتماعي كي لا تؤثر سلبًا على حياتهم وحافظًا على النسيج الاجتماعي الذي بدأ يتأثر بهذه الطفرة التكنولوجية.
