ضربات الإرهاب تغير توجهات أردوغان
تاريخ النشر : 2017-01-05 17:09

لم يخطر على بال أردوغان أن تأتيه ضربات الإرهاب بكل هذه القسوة والسرعة، وأن يقضي ليلة رأس السنة وهو يتابع عمليات نقل الضحايا من ملهى اسطنبول الليلي، ومحاولات الشرطة التعرف على المهاجمين، وقبلها بأيام كان قد قطع اتصالات الإنترنت عن تركيا، حتى لا يرى الشعب المشهد المروع لحرق الدواعش إثنين من جنوده الأسرى وهما أحياء، بعد أن وضعهما الدواعش في قفص حديدي، وكانوا يجرونهما زحفا على الركبتين واليدين، إهانة لا يمكن أن يبتلعها ما تبقى من قادة الجيش التركي، ولا تتناسب مع أحلام استعادة الخلافة العثمانية، فلا يوجد كابوس أبشع من هذا المشهد.
أما حادث اغتيال السفير الروسي في تركيا على أيدي أحد ضباطه، ومن بين حرسه الخاص، والخطاب التكفيري الذي أدلى به، وكشف أن الإرهاب قد تغلغل في عمق مؤسساته الأمنية، ووضعه في موقف بالغ الحرج.
لم يعد أردوغان يحلم إلا بالخلاص من هذا المأزق، وأن يبدأ محاولة احتواء هذه الأزمة، التي كان أهم المساهمين في تخطيطها وتنفيذها، واعتقد أن الولايات المتحدة سوف تكون إلى جانبه في كل خطوة، حتى يصعد إلى عرش الخلافة، وإذا بها تمد أيديها إلى خصومه الأكراد، وتمدهم بالسلاح الذي سيرفعونه ضده، للمطالبة بالاستقلال وتفكيك تركيا.
كان أردوغان يعتقد أنه يمسك بجميع الحبال في يديه، وكل الأطراف في حاجة إليه، ويقفز من هذه الجهة إلى تلك، لكنه وجد أن حبال الأزمة ليست بين يديه وإنما حول عنقه، وأن عليه البحث عن الخلاص، ولهذا كان اندفاعه باتجاه موسكو، وأن يجد في بوتين صديقا موثوقا عن الأمريكان، حتى لو لم يربح الكثير، أو حتى تتوقف الأموال الخليجية ليواصل إمداد الجماعات المسلحة بالعتاد.
يبدو أن أردوغان مضطر إلى السير في طريق التخلص من الجماعات الإرهابية، فقد أدرك خطورتها الكبيرة عليه، وأنها يمكن أن تنقض على دولته، وتجد فيها من يتعاونون معها، فلا يمكن أن تتسع مدن أنقرة واسطنبول للجماعات التكفيرية ونمط الحياة الأوروبي جنبا إلى جنب، فالملهى الليلي سيكون هدفا للتكفيريين، ولن يستطيع أن يحول تركيا إلى أفغانستان، وجزء منها يقع داخل أوروبا.
لهذا جاء قرار أردوغان بالموافقة بعقد مؤتمر لحل الأزمة السورية في عاصمة كازاخستان، مديرا ظهره لأوباما، الذي سيغادر البيت الأبيض في عضون أسبوعين، وهو صاحب مشروع الإستعانة بالجماعات التكفيرية لتدمير وتقسيم العراق وسوريا،
لم تتغير لهجة أردوغان، انما بدأ في ترميم علاقته بكل من العراق وسوريا، وأعلن أن التخلص من الإرهاب يبدأ بحل الأزمة في كلا الدولتين، وسيزور رئيس الوزراء التركي بعداد ليبحث مع رئيس وزراء العراق حيدر العبادي التعاون في مواجهة داعش، وسحب الجزء الأكبر من قواته في بعشيقة، وتوقف عن دعم القوات العراقية التي كان يدربها لتكون موطئ قدم له في الموصل، وجرى دمج هذه القوات في الحشد الشعبي العراقي، الذي طالما اتهمه بأنه ميليشيات طائفية، وهو مضطر أيضا أن ينسق مع الحكومة السورية في احتواء التوسع الكردي بمساعدة الولايات المتحدة، ووقف المشروع الفيدرالي الذي تتبناه أمريكا، والذي سيؤدي إلى شرخ في الجسد السوري سيمتد قطعا إلى تركيا.
هكذا يبدو أن الضربات التي تلقاها أردوغان من الإرهاب والولايات المتحدة قد غيرت مسارات سيره، بعيدا عن المشروع الأمريكي شديد الخطورة، والذي يتهاوى، تاركا عشرات آلاف الإرهابيين الذين يضربون بقسوة في كل اتجاه، حتى طال إرهابهم من ساعدوهم، وقد يستوعب أردوغان بعض الدروس، لكن من الصعب أن يكف عن مراوغاه وتقلباته.