"الأوراق المالية".. حقائق وأوهام!
تاريخ النشر : 2016-12-26 09:50

كثيراً ما أساء الناس فَهْم الذهب، أو النقود في أصلها أو محتواها الذهبي، فهذا المعدن الأصفر الغالي الثمين، والذي بنزرٍ منه تشتري بضائع كثيرة، كان يُنْظَر إليه على أنَّه شيء يستمدُّ أهميته أو قيمته الاقتصادية تلك من "خواصِّه الطبيعية"، فالذهب غالٍ؛ لأنَّه ذهب! قديماً، تفتَّق ذهن أحد المشتغلين بالكيمياء البدائية عن فكرة تحويل الرصاص، بطريقة ما، إلى ذهب، متوهِّماً أنَّ النجاح في ذلك سيأتي لأصحابه بثراءٍ قارونيٍّ؛ ولكنَّه سرعان ما ظهرت له الحماقة في "فكرته الذكية"، فأحد الحكماء تساءل ضدَّ وهمه قائلاً: "وهل يظلُّ الذهب ذهباً، أي محتفظاً بما يتمتَّع به الآن من قيمة اقتصادية، إذا ما نجحنا في تحويل كل أو معظم ما لدينا من معدن الرصاص إلى ذهب؟!". لقد جعلوا الذهب صنماً إذ تصوَّروه على أنَّه شيء يستمدُّ أهميته أو قيمته الاقتصادية من ذاته، أي من خواصِّه الطبيعية، ضاربين صفحاً عن حقيقة أنَّه لا يختلف عن سائر البضائع إلاَّ في اشتماله على مقدار أكبر من العمل، فلو لم يسْتَلْزِم إنتاجه عملاً أكثر لتضاءلت قيمته الاقتصادية. ومع خروج الذهب من السوق، وحلول "نوَّابه وممثِّليه" محله، وفي مقدمهم "النقد الورقي"، استفحلت "الصنمية الاقتصادية"، وهبطت بـ"عقيدة الاستثمار" إلى الدرك الأسفل من الخرافة والوهم، فالأصنام المصنوعة من ورق - ليس إلاَّ - حلَّت محل الأصنام المصنوعة من ذهب؛ وصار بعض "الاقتصاديين" يحسبون ثروات الأمم بالأوراق النقدية، وبغيرها من الأوراق؛ متوهمين أنَّ المال، الذي لا يميِّزونه من "الثروة الحقيقية"، يَلِد (من ذاته، أو من تلقائه) مالاً. ولو سألْتَ مستثمِراً تستبد بعقله "الصنمية الاقتصادية" عن "الاستثمار" لأجابكَ على البديهة قائلاً: إنَّه كومة من الأوراق تملكها، فتشتري بهذه "الثروة الورقية" أوراقاً مالية أخرى تسبَّب قانون العرض والطلب برخصها، فتبيعها عندما يتسبب القانون نفسه بغلائها، فتَرْبَح من الفرق بين سعري الشراء والبيع، فتنمو، من ثم، ثروتكَ الورقية، فينمو بنموِّها إيمانكَ بأنَّ "الثروة" هي المال إذ جاء بمزيدٍ من المال (من خلال لعبة الاستثمار في أسواق المال)! لقد ارتدَّ المستثمرون في الأسواق المالية عن عقيدتهم (الاقتصادية) الأولى، التي نادي بها على وجه الخصوص آدم سميث، والتي تقوم على مبدأ "العمل، والعمل فحسب، هو مَصْدَر كل ثروة (حقيقية)"، متَّخِذين ممَّا يشبه السحر والشعوذة عقيدة (اقتصادية) جديدة لهم، فظهرت "الليبرالية الجديدة" على أنَّها دعوة إلى الإيمان بأنَّ "الأوراق (المالية) لا العمل هي مَصْدَر الثروة"، فهي، أي تلك الأوراق، وفي طريقة سحرية، تتكاثر، فَتَكْثُر ثروات الأمم والشعوب والمجتمعات! ولكن، ما الذي حَمَلَهم على هذا الإيمان، الذي يَخُطُّه الوهم من ألفه إلى يائه؟ لقد رأوا مستثمراً (في الأسواق المالية) يملك مليون دولار، مثلاً، أو يملك من "الأوراق" ما قيمته مليون دولار، فيشتري، ويبيع، ثمَّ يشتري ويبيع، فيصبح لديه، بعد انتهاء لعبته الاستثمارية هذه، مليون ونصف المليون دولار. لقد رَبِحَ، ونمت ثروته (المالية). هذا في النصف الأوَّل من المشهد؛ أمَّا في نصفه الآخر فنرى، وينبغي لنا أن نرى، "المستثمِر الآخر"، الذي كان يملك مليون دولار، فأصبح يملك (إذ خسر حتماً في تلك اللعبة) نصف مليون دولار. "الرابح" هو الذي كان يملك مليون دولار فأصبح يملك مليوناً ونصف المليون دولار؛ و"الخاسر" هو الذي كان يملك مليون دولار فأصبح يملك نصف مليون دولار. لقد خسر أحدهما فربح الآخر؛ وهذا الذي ربح لم يربح إلاَّ ما يَعْدِل، مقداراً، ما خسره الآخر. بهذا المعنى فحسب، يمكننا الحديث عن "الأرباح" و"نمو الثروات" في الأسواق المالية؛ ولكن، هل ربحت (أو خسرت) تلك السوق المالية، والتي قيمتها، في مثالنا الافتراضي هذا، 2 مليون دولار؟ كلا، فهي لم تربح ولم تخسر، فثروتها (أو قيمتها) ظلَّت في الحجم نفسه، أي 2 مليون دولار؛ أمَّا لو جئتَ بهذه "الثروة النقدية (2 مليون دولار)"، واشتريتَ بها آلات ومواد أوَّلية.. وشَغَّلْتَ عمالاً، واستهلكت كل ذلك (افتراضاً) توصُّلاً إلى إنتاج كمية من البضائع، فإنَّ الـ"2 مليون دولار" ستغدو، عندئذٍ، 3 ملايين دولار. بهذه الطريقة فحسب، يصبح ممكناً جَعْل المال وسيلةً لتنمية الثروة الحقيقية للمجتمع، فـ"الاقتصاد الحقيقي"، أي الاقتصاد المنتِج للسلع في المقام الأوَّل، هو وحده الحيِّز الاقتصادي الذي فيه، وبه، تتحوَّل "الثروة الورقية" إلى "ثروة حقيقية" تنمو باستمرار.. هنا، وهنا فحسب، تُنْتَج وتنمو "الثروة الحقيقية" للمجتمع! والكارثة تَعْظُم مع اتِّساع وتعمُّق انفصال "الاقتصاد الورقي" عن "الاقتصاد الحقيقي"، فكلَّما حُجِبَت "الثروة النقدية" للمجتمع عن "الاقتصاد الحقيقي"، وضُخَّت في أسواق المال والأسهم والسندات..، وكلَّما استبدَّت بالمستثمرين في هذه الأسواق فكرة "المضاربة"، استجمع المجتمع مع اقتصاده الحقيقي مزيداً من أسباب الهلاك، فلا ينجو من أزمة (مالية واقتصادية) إلاَّ ليقع في أزمة أشد وأعنف.