غزة-نوى:
حتى قبل أشهر لم يكن هذا المشهد متوقعًا في قطاع غزة، وتحديدًا في ساحة المجلس التشريعي الذي تسيطر عليه من الناحية الفعلية حركة حماس ونواب كتلة التغيير والإصلاح التابعة لها، الآلاف من أنصار محمد دحلان القيادي المفصول من حركة فتح يحتشدون تضامنًا من النواب الخمسة الذين رفع الرئيس محمود عباس الحصانة البرلمانية عنهم بقرار من المحكمة الدستورية.
الحشود التي رفعت صور محمد دحلان إلى جانب الرئيس الراحل ياسر عرفات، هتفوا عبر مكبرات الصوت باسم زعيمهم المنتظر وصدحت الأناشيد الحماسية باسمه، ورفعوا الشعارات المنددة بقرار فصل النواب الخمسة (محمد دحلان، نجاة أبو بكر، شامي الشامي، ناصر جمعة وجمال الطيراوي)؛ معتبرين ذلك تغوّلًا من الرئيس على السلطة وتفرّدًا في صنع القرار الفتحاوي.

تهميش وتغوّل
في كلمة أمام الحضور استنكرت النائب نعيمة الشيخ علي، التهميش الحاصل من قبل السلطة التنفيذية إزاء قطاع غزة، مؤكدة أنهم نادوا طويلاً بتفعيل المجلس التشريعي ليعود لممارسة عمله، في تشريع القوانين ومراقبة عمل السلطة التنفيذية ومنع تغوّلها على القانون، أو استلاب حق المواطن.
وأضافت أن المجلس كان معطلًا زمن الحكومتين وبمجرد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية عقب اتفاق الشاطىء عام 2014 كان ينبغي تفعيله، مضيفةً أنهم طالبوا منذ أشهر برسالة خطية تم إرسالها للقيادة بتفعيل المجلس التشريعي دون أن يتلقوا ردًا، وتابعت:"كانت النية مبيّتة والمؤامرة تُحاك من أجل نزع الحصانة عن نواب الشعب المنتخبين، وتقديمهم لمحاكم صورية من أجل إدانتهم، ومن ثم يتمكن فردٌ واحدٌ من جمع السلطات الثلاث في قبضته، لتصبح السلطة مطلقة، وهي بالقطع باتت مفسدة مطلقة".
وشددت على أنه آن الأوان أن يتم تجديد الشرعيات على كل المستويات وفي مختلف الأطر، معتبرة وجود هذ الجماهير أكبر داعم للخطوة التي انتظرها شعبنا طويلاً، والتي جرت بالأمس عندما اصطف نواب الشعب بجوار بعضهم رفضاً للتطاول على النظام الأساسي ومنعاً لأي تجاوز لحصانة النواب المنتخبين، وهي جلسات ستنتظم قريباً للنظر في كل متطلبات ومقتضيات الحال الفلسطينية، وبما يعيد للمجتمع الفلسطيني حقوقه التي سلبتها الحكومات.

بطش وقطع رواتب
أما القيادي الفتحاوي إبراهيم الطهراوي فأكد أنهم صبروا على الانقسام وعضوا على الجرح ومارسوا ضبط النفس على كل المستويات وصبروا على "ظلم ذوي القربى"، وأنهم واجهوا سياسة الإقصاء والتفرّد والتهميش كما وصف بـ"إرادةٍ وحكمةٍ وثباتٍ ".
وتابع الطهراوي أن السلطة مارست الهيمنة على القرار الوطني والقرار الفتحاوي وواصلت بطشها بحق كل من رفع شعار الإصلاح في منظومة العمل الحركي، فأقصت وجمّدت وفصلت كوادر للحركة، وأنها بدأت معركتها مع النائب المنتخب محمد دحلان، ثم انهالت قطعاً لرواتب أبناء الحركة الذين وقفوا دوماً خلف شرعية الفكرة وشرعية المبدأ وشرعية الشعار، ثم تجاوزت كل الحدود عندما عقدت مؤتمرها في المقاطعة، بعدما أدارت ظهرها للنظام الأساسي للحركة، وحالت بين مناضلين على رأس عملهم الحركي وبين عضوية المؤتمر المزعوم، ليكون حصاد كل هذا العبث مؤتمراً للموظفين والتابعين والمطبلين والمصفقين.
واعتبر التجمع الحاشد تعبير قوي لتأكيد حصانة النواب الذين تم انتخابهم ومنحهم الثقة، وهو أعظم رد على من سوّغ لنفسه أن يُقصي ويفصل ويحاكم، مضيفًا أنه آن للظلم أن ينتهي وآن للفساد أن يُدان وآن للتفرد أن يُوضع له الحد، وسنواصل مسيرتنا ومسعانا بجوار الأخ القائد محمد دحلان "أبو فادي" لإعادة قاطرة فتح إلى سكّتها الصحيحة.

اصطفاف غير عقلاني
مثل هذا التجمّع الذي يأتي بتسهيلات وتأمين من الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة والتابعة عمليًا لحركة حماس، يشير إلى اصطفاف محتمل بين القيادي دحلان وأنصاره في قطاع غزة الذين يشتكون من التهميش في الحركة خلال السنوات الماضية.
ربما رأى نواب المجلس التشريعي المقربين من دحلان في التواصل مع كتلة حماس البرلمانية مخرجًا، إلا أن الكاتب والمحلل السياسي هاني حبيب يؤكد أنه ليس هناك من شرعيات فلسطينية، فما يسمى بالمجلس التشريعي هو غير شرعي، والشرعيات الموجودة توافقية من ناحية ومفروضة على الشعب من ناحية أخرى.
ويعتقد حبيب أن اللجوء إلى الشرعيات من أجل عملية اصطفافات متناقضة تتعارض مع التوجهات الوطنية الفلسطينية غير مبررة وغير مطلوبة، فالأولى أن يكون الشعب الفلسطيني هو المرجعية، وليس العودة لمرجعيات مشكوك فيها أصلًا.
واعتبر حبيب أن لجوء مجموعة دحلان إلى المجلس التشريعي في قطاع غزة أي مجلس تشريعي لحركة حماس، كمن يطلق النار على نفسه؛ لأن هذا ليس حلًا، معربًا عن اعتقاده أن هذا ما يريده عباس، وهو إظهار أن دحلان بعيدًا عن حركة فتح، واصفًا هذا السلوك بغير العقلاني بصرف النظر عن دوافعه وخفاياه.
وقدّر أن هذه تحالفات ذات طبيعة مصلحية شخصية بحتة، وليست مصلحية وطنية، ولم يستبعد تطويره بناء على حالة الاستقطاب، فكل طرف يستفيد بالمعنى الفئوي، على النقيض من المصلحة الوطنية الفلسطينية، وهذا يلبي حاجة مركزية فتح الذي سيبعد دحلان أكثر عن الحركة، بالتالي هو قدم خدمة لأبو مازن.
بالأمس فقط اجتمع نواب من كتلة فتح البرلمانية مع كتلة التغيير والإصلاح في مواجهة تغوّل سلطة الفرد، والآن تقارب تيار دحلان بات أوضح، فهل تحمل الأيام القادمة ما يمهّد لتحالف أو ما شابه بين دحلان وحماس، وهل سيلتئم المجلس التشريعي ذات يوم لمناقشة تغوّل لجميع على المواطن؟









