غزة-رام الله-نوى:
"أن تصيغ السلطة الفلسطينية ومؤسساتها العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي انطلاقًا من كون السلطة إطارًا مؤسساتيًا خدميًا تتركز وظائفه في إدارة شؤون المجتمع الفلسطيني"؛ كانت هذه أبرز التوصيات التي خرج بها مؤتمر بعنوان "إعادة بناء المشروع الوطني" نفذه المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية "مسارات" على مدار يومين كاملين في مدينتي غزة ورام الله عبر الفيديو كونفرنس.
المؤتمر أوصى كذلك بضرورة تقوية الوجود الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وإنهاء الانقسام من أجل التفرّع لمقارعة الاحتلال، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بحيث يضمن مشاركة الجميع من الكل الوطني والإسلامي في عملية اتخاذ القرار.
وقائع المؤتمر
ناقش الجلسة الأولى للمؤتمر موضوع الفلسطينيون وحق تقرير المصير، إذ حدد أحمد عزم في ورقة عمل حول الحركة الوطنية الفلسطينية الدولة والفصيل والحراك" أبرز المهام الممكنة للمرحلة المقبلة ليوصي بضرورة حسم إذا كان مشروع الدولة هو جوهر العمل الفلسطيني، وادخال مختلف الفصائل والقوى الشعبية والرسمية في برنامج نضالي لهذا الغرض، وهذا يعني إعادة النظر في تشكيل الحكومات التكنوقراط لصالح الحكومات سياسية ميدانية، وتجديد بناء الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير بدئًا من الهيئات والمنظمات والاتحادات الشعبية ووضع برنامجها الوطني الذي يعمم شعبيًا.
أما الباحث مخيمر أبو سعدة فقدم ورقة حول المشروع الفلسطيني ودور فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، تحدث فيها عن ضرورة تعزيز صمود المواطن الفلسطيني بوضع خطة استراتيجية للحد من ظاهرة الفقر والبطالة تستوعب أكبر عدد ممكن من العاطلين عن العمل ودمجهم في مشاريع إنتاجية – تنموية. المجتمع الفلسطيني وبخاصة
وأكد أن قطاع غزة بحاجة إلى إعادة بناء، واعادة تأهيل البنية التحتية التي دمرتها قوات الاحتلال على مدار السنوات الماضية ومواصلة المعركة القانونية والدبلوماسية من أجل نزع الشرعية عن الاحتلال الإسرائيلي من خلال الانضمام إلى كافة الوكالات والمنظمات والمعاهدات التابعة للأمم المتحدة.
الباحثة هنيدة غانم تحدثت عن الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948 وإعادة بناء المشروع الوطني، مؤكدة أنه لا يكون للحديث عن دور خاص للفلسطينيين في الداخل في مشروع خارجي بل دور أساسي ضمن خارطة المجموعات وضمن خصوصية موقعه المتوتر والبيني المفتوح على الخيارات، والأهم ما فيه التموضع في قلب فلسطيني التي تشكل بيت القصيد في المشروع الوطني.
وشددت غانم على ضرورة الدعم المتبادل من أجل تمكين الأجزاء المختلفة في كل المجالات ومن أجل تحقيق الأهداف السياسية لكل جماعة، وتشبيك العلاقات بين الفئات المختلفة للشعب الفلسطيني من خلال تحويل كل الأطر الممكنة الى أطر مشتركة )جمعيات اتحادات( وتوحيد الأيام الوطنية مثل يوم النكبة.

إعادة تأطير النضال
أما الجلسة الثانية والتي جاءت بعنوان نحو إعادة تأطير النضال الفلسطيني، فتحدث فيها عبر سكايب من اسطنبول الباحث ماجد كيالي حول تحولات ومآلات الحركة الوطنية الفلسطينية، أكد أنه آن للفلسطينيين أن يتجهوا لبناء مجتمعاتهم، وترسيخ كياناتهم الوطنية ومؤسساتهم الجمعية، لأن هذه العملية لا تقل في اهميتها عن مقاومة إسرائيل ، بل انها أساس ضروري لها.
وأضاف :"آن لهم أن يبحثوا عن رؤية سياسية تطابق بين ارض فلسطين وشعب فلسطين وقضية فلسطين، وعن استراتيجية نضالية، تتلاءم مع امكانياتهم، وظروفهم، وتمكنهم من المراكمة والاستثمار السياسي."
وفي ورقته حول أسس الشراكة بين القوى السياسية الفلسطينية، أكد د.أحمد يوسف الباحث والقيادي في حركة حماس، إن جميع فصائل العمل الوطني والإسلامي تعتبر نفسها جزءاً من حركة التحرر الوطني، والتسليم بمسئولية الجميع عن الخطأ، فالكل كان له اجتهاداته الخطأ وأحياناً خطاياه.
وطالب يوسف بسرعة إجراء الانتخابات على قاعدة التمثيل النسبي الكامل، باعتبارها طريق الخلاص والعمل على تحويل النظام السياسي إلى نظام برلماني، وإعادة بناء المؤسسة الشورية المعبّرة عن الكل الوطني والإسلامي في الوطن والشتات.
ودعا إلى منح الإطار القيادي المؤقت صلاحيات واسعة، بهدف العمل على ترتيب البيت الفلسطيني، والتأكيد من خلال واقع الفعل أنه "لا دولة في قطاع غزة، ولا دولة بدون قطاع غزة، والتسليم بأن الوطن للجميع، نحرره معاً ونبنيه معاً.

كما قدم الباحثان هاني المصري وخليل شاهين ورقة عمل بعنوان مرتكزات استراتيجية العمل الوطني للمرحلة القادمة، أكدا فيها ضرورة الانطلاق في تعريف العلاقة والتعامل مع إسرائيل باعتبارها علاقة مع سلطة احتلال وعدو وليس شريكا في "عملية سلام"، ما يقتضي وضع هدف التخلص من اتفاق أوسلو والتزاماته أساسًا لخطة تدريجية تتضمن إعادة النظر في دور وشكل وظائف السلطة وقطع كل أنواع العلاقات مع إسرائيل إلا ما تفرضه الضرورة لتسيير أمور الحياة تحت الاحتلال.
واقترح الباحثان ضرورة التمييز بين برنامج المنظمة كممثل لجميع الفلسطينيين يجب أن يحفظ روايتهم وحقوقهم التاريخية، ويرعى شؤون تجمعات الشتات في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحياتية، وبين برنامج السلطة/ "الدولة" الذي ينبغي أن يشتق منه كناظم لأهداف واستراتيجية العمل السياسي والنضالي وأن يخدم عملية الخروج من مسار أوسلو والتزاماته وقيوده وأن يركز على توفير الخدمات للمواطنين ومعالجة مشاكلهم اليومية.

وكان د. ممدوح العكر، رئيس مجلس أمناء مركز مسارات قال في كلمة الافتتاح إنه ليس من قبيل الصدفة أو المبالغة أن اختار مركز "مسارات" عنوان المؤتمر "إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني"، فمن نافلة القول إن الحركة الوطنية الفلسطينية فقدت بوصلتها وضلت طريقها كحركة تحرر وطني، وذلك منذ التوقيع على اتفاقي أوسلو الذي أوصلنا إلى التيه الذي نحن فيه.
وأضاف: "من المفارقة الغريبة والمفزعة في ذات الوقت أن نكبة العام 48 بفقدان القسم الأكبر من وطننا وما صاحبها من تهجير قسري لشعبنا، لم نحتج لبضع سنين كي نستفيق من هول الصدمة ونبدأ خطانا على بوصلة التحرير والعودة".
وأوضح أن بعد احتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية في العام 1967 لم نحتج لأكثر من شهور معدودات لبدء المقاومة وانتزاع منظمة التحرير من هيمنة الأنظمة العربية لتصبح ممثلاً للأطياف الفلسطينية، وتحمل برنامج تحرر وطني يتماهى مع حركات التحرر الوطني المعاصرة، لكننا تخلينا طواعية من خلال اتفاق أوسلو عن مشروعنا الوطني في إنهاء الاحتلال والتحرير والعودة. مبينًا أنه "من المفارقة الخطيرة أنه قد مضى علينا الآن أكثر من 23 عاما ولم ندرك بعد أننا فقدنا البوصلة ولم ندرك أيضًا مدى التيه الذي وصلنا إليه بعد أوسلو".

