في التحضير لانعقاد المؤتمر السابع لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»؛ تابعت تصريحات بعض قيادات الحركة، نساء ورجالاً، والتي تعبِّر عن رغبتهم في تحقيق نتائج إيجابية من المؤتمر، وأملهم في التغيير والتجديد. أمل البعض في أن يكون أعمار نصف أعضاء المؤتمر دون الأربعين، وأن يكون هناك تمثيل جيد للنساء، كما توقعوا الخروج بإستراتيجيات مختلفة، وأن يفاجئوا العالم، وأملوا في أن يؤسِّسوا لمرحلة جديدة قوية، وأن يقدموا إجابات على أسئلة الواقع الصعبة، ما يستدعي إعادة الاعتبار لخطاب التحرر الوطني، بما يمثله من علاقة صراع ومقاومة مع الاحتلال، والأهم أنهم أملوا في أن يكون المؤتمر خطوة ثابتة باتجاه الاستقلال من جهة، وبناء الدولة من جهة أخرى. وبعد انعقاد المؤتمر؛ لم أملك سوى أن أتساءل: هل كان نصف أعضاء المؤتمر دون الأربعين؟ وهل تحقق تمثيل المرأة في العضوية، ثم في الهيئات القيادية بنسبة 20% على الأقل؟ وهل فاجأت الحركة العالم؟ وهل خرج المؤتمر بإستراتيجيات جديدة؟ هل أسَّسوا لمرحلة جديدة قوية، وقدَّموا إجابات على أسئلة الواقع الصعبة؟ هل أكَّدوا مبادئ الانطلاقة الأولى؟ هل قدَّمت الحركة الإجابات المطلوبة؟ وهل أعادت الاعتبار لخطاب التحرر الوطني، كعلاقة صراع وليس كعلاقة تنسيق وتعاون؟ هل أخذنا المؤتمر باتجاه بناء حركة متماسكة وقوية، قادرة على القيادة من أجل تحقيق الاستقلال، وبناء المؤسسات؟ وهل أجاب عن الأسئلة الصعبة الخاصة بالواقع السياسي الصعب؟
*****
منذ انطلاقتها حتى هذا العام، عقدت حركة «فتح» سبعة مؤتمرات، أولها في العام 1964، ومن الواضح أن المؤتمرات، ومنذ تأسيس الحركة، لم تنعقد وفقاً للنظام الداخلي، الذي يقضي بضرورة انعقادها كل خمس سنوات. وإذا كان عدم انتظام المؤتمرات مبرراً؛ بسبب ظروف العمل السري في البدايات، ثم ظروف الشتات؛ فما الذي يبرِّر عدم الالتزام بقواعد وآليات العمل الديمقراطي، بالنسبة لعضوية المؤتمر السابع؟ حيث اعتمد مبدأ التعيين الفردي للأعضاء، من خلال تقديم لوائح بالأسماء تقدَّم إلى اللجنة المركزية، ثم تعتمد من الرئيس شخصياً؛ وعطِّلت المؤتمرات القاعدية التي كان يجب أن تنتخب مندوبيها إلى المؤتمر. وما الذي يبرِّر طريقة انتخاب القائد العام لحركة «فتح» (بالتصفيق)، التي كرَّست مفهوماً قبلياً (البيعة) بدلاً من أن تكرِّس مفهوماً ديمقراطياً شفافاً (الانتخاب السري)، يعتمد المساءلة، والمحاسبة على الإنجازات والإخفاقات، ما بين مؤتمرين؟ وماذا عن إشراك المرأة في صنع القرار؟ وعن صدق الشعارات التي تتحدث عن تقدمية الحركة في رؤيتها لدور النساء؟ لماذا تمَّ مخالفة النظام الداخلي للحركة، فيما يتعلق بتمثيل النساء في المؤتمر، وتمَّ تمثيلها بنسبة 13.7%؟! في حين أن المادة 116 تنصّ على ضمان تمثيل المرأة بنسبة لا تقل عن 20 %؟! إذا سلَّمنا أن انعقاد المؤتمر، الذي يعدّ استحقاقاً ديمقراطياً، بالإضافة إلى زيارة ستين وفداً من 28 دولة في العالم؛ هو خطوة إلى الأمام؛ فإن عدم التمسك بالنظام الداخلي للحركة، فيما يتعلق بالعضوية، وطريقة الانتخاب؛ يعتبر خطوتين إلى الوراء.
*****
ما هو الحيز الذي شغله نقاش الموضوع السياسي؟ وإلى أي مدى شكَّل الوصول إلى إستراتيجية جديدة هاجساً وهمّاً رئيساً لدى أعضاء المؤتمر؟ وإذا كانت المفاهيم السائدة لدى الأعضاء، والأصدقاء، والمعارضين، والجمهور، تكرِّس أهمية المواقع القيادية (اللجنة المركزية والمجلس الثوري)، في ضوء الامتيازات المادية والمعنوية التي يحصلون عليها، وتكرِّس ثانوية المواقع القاعدية، في ظل عدم تفعيل الأنظمة الداخلية للحركة، وتهميش تقاليد العمل الديمقراطي؛ يصبح الاهتمام بوصول الأعضاء إلى المواقع القيادية هو الهمّ الرئيس لدى غالبية الأعضاء.
*****
لخَّص خطاب الرئيس إستراتيجية الحركة. تحدث بصراحته المعهودة، وحسِّه الساخر، عن الإنجازات التي حققتها الحركة، وعن الثوابت، وعن التمسك بالمبادئ الديمقراطية، وعن الاستمرار في النهج القديم، الذي يعتمد المفاوضات للوصول إلى الدولة الفلسطينية، مؤكِّداً أن العام القادم هو عام الدولة الفلسطينية، عام تجسيد الدولة. ركَّز على النضال على الصعيد الدبلوماسي، والقانوني، ودعا إلى تكثيف المقاومة الشعبية، وأكَّد ضرورة إنهاء الانقسام، وإزالة أسبابه عبر تشكيل حكومة وطنية، وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، ورحَّب بالمبادرة الفرنسية لعقد مؤتمر دولي للسلام، وطرح أسس البرنامج الوطني لاستكمال مؤسسات الدولة والاستقلال. وتحدث عن ضرورة عقد المجلس الوطني خلال فترة قريبة «في أقرب وقت». صادق المؤتمر على الخطاب السياسي للرئيس عباس، الذي يحدد فيه أسس البرنامج الوطني، ودعا البيان الختامي إلى عقد المجلس الوطني الفلسطيني خلال ثلاثة أشهر. لم تجر مراجعة للبرنامج السياسي، ولم تتم المحاسبة أو المساءلة عن الوضع السياسي المتردي الذي يعيش فيه الشعب الفلسطيني، ناهيك عن انعدام مبدأ المشاركة؛ ما يضرب بقوة أسس العمل الديمقراطي. بقينا نراوح في مكاننا. لم نمش خطوة باتجاه الاستقلال، أو في طريق الوحدة الوطنية، كما عدنا إلى الوراء في موضوع بناء المؤسسات. لم يتمّ إعادة الاعتبار لخطاب التحرر الوطني، باعتبار أن المرحلة هي مرحلة تحرر وطني، وأن العلاقة هي علاقة صراع وليس علاقة تعاون؛ الأمر الذي يستوجب تصاعد المقاومة، وتنوع أشكالها، كما يستوجب الصمود والبناء، ووحدة الصف، وتمتين التحالفات العربية والدولية، التي تساهم في إنجاز الاستقلال والحرية للشعب الفلسطيني.
*****
وإذا كانت الدعوة لانعقاد جلسة عادية للمجلس الوطني، كأعلى سلطة في منظمة التحرير الفلسطينية؛ مسألة حيوية وضرورية؛ لمواجهة لتحديات الكبرى التي تواجه الشعب الفلسطيني، ولمراجعة التجربة الفلسطينية، والخروج من عنق الزجاجة، ولإنهاء الانقسام، ولوضع إستراتيجيات لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، ولإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية؛ يصبح لزاماً أن تتم الجلسة خارج فلسطين المحتلة، وأن يتمّ الاستناد إلى النظام الداخلي للمنظمة في إجراءات انعقاده وطريقة تشكيله، وأن يسبقها انعقاد الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير، وفقاً لاتفاق القاهرة للمصالحة وإنهاء الانقسام/آذار 2009.
*****
أتفق مع أليكسندر هاميلتون حين أكَّد: «إذا كانت هناك مشاكل مع الديمقراطية؛ فإن الحل هو المزيد من الديمقراطية».
[email protected] www.faihaab.com
