خيارات الخاسرين والرابحين فى حلب
تاريخ النشر : 2016-12-11 16:17

الانتصار السريع والكبير للجيش السوري وحلفائه في معركة حلب الكبري ستكون له تداعيات واسعة، فالمعركة كانت أشبه بحرب عالمية مصغرة، كشفت عن موازين قوي جديدة، لها تبعات ونتائج ستفرض نفسها علي مجريات الأحداث، وتغير الخيارات المطروحة والممكنة أمام كل من الرابحين والخاسرين.
أولي النتائج علي الأرض هي التحرك المرتقب للجيش السوري وحلفائه لتأمين حلب من الشمال والشرق، لتحصين الانتصار، واستغلال حالة التردي والتخبط في صفوف المسلحين لاستكمال تحرير الجزء المتبقي من ريف دمشق الشرقي، والجيوب الصغيرة قرب الحدود الأردنية والإسرائيلية، بالتوازي مع التحرك لمحاصرة إدلب، الواقعة تحت سيطرة جبهة النصرة، بينما ستشهد مدينة الرقة والمناطق الحدودية مع العراق تنافسا محموما بين القوات الكردية المدعومة، وتركيا الطامحة لوضع يدها علي أوسع مساحة ممكنة، أما العنصر الجديد والأكثر تأثيرا فهو الجيش العراقي، المدعوم بالحشد الشعبي، الذي سيتوجه نحو الحدود مع سوريا فور انتهاء تحرير مدينة الموصل، والحليف للجيش السوري، وهو يتمتع بمزايا تفوق الآخرين من حيث العدد والعتاد والخبرة في محاربة داعش الموجود علي طرفي الحدود العراقية السورية. أول الخاسرين في معركة حلب الكبري هي الولايات المتحدة، المتزعمة للمخطط وصاحبة الكلمة الأولي والحضور القوي علي الساحتين السورية والعراقية، والتي أدركت بسرعة أن مواصلة القتال في حلب هو هدر للطاقة، وتكريس للخسارة، واستجابة للمطلب الروسي بخروج المسلحين المحشورين في منطقة ضيقة جنوب شرق حلب، لكنها أرادت تحسين شروط استسلام المسلحين، مع سحبهم إلي شمال سوريا بدلا من المصير الحتمي بقتلهم داخل حلب، وهو ما أكدته صحيفة النيويورك تايمز في تقرير لها بعنوان «حان الوقت لوقف القتال»، لكن بعض حلفاء واشنطن يتملكهم العناد ويرفضون الاعتراف بالهزيمة، ويطالبون بتدخل عسكري من جانب واشنطن لمحاولة إنقاذ المسلحين المحاصرين، ولوحت واشنطن بأنها ستدرس تزويد المسلحين بصواريخ مضادة للطائرات، لكن لا يمكن أخذها بجدية، لأن الهدف منها هو خفض سقف طموحات التحالف الروسي السوري الإيراني المنتصر، ورفع معنويات المسلحين وامتصاص غضب رموز المعارضة السورية. واشنطن لا تتوقف طويلا لسكب الدموع علي أطلال الخسائر، ودائما تستعد ببدائل جديدة، وإن كان من غير الممكن أن تلجأ إلي أي خيار عسكري، وأن تواصل حملاتها الدبلوماسية والإعلامية ضد سوريا وروسيا وإيران، حتي تتسلم إدارة الرئيس الجديد ترامب السلطة، ويختار البدائل التي تناسبه.
تراجع ترتيب تركيا في قائمة الخاسرين بفضل قدرة أردوغان علي المناورة وتدوير الزوايا، وعقده اتفاقيات جانبية مع كل طرف علي حدة، وقد سارع بتوفيق أوضاعه مع روسيا وإيران، واحتفل بتدشين خطوط غاز «السيل التركى» لنقل الغاز من روسيا إلي جنوب أوروبا عبر تركيا، إلي جانب إنشاء روسيا لمحطات نووية لإنتاج الكهرباء، ولا يمكن استبعاد أن يتخلي أردوغان عن جماعة الإخوان والمعارضة السورية المسلحة، لينضم إلي تحالف المنتصرين، إذا ما وجد مصلحة في هذا التحول المحتمل. كان وزير الأمن الإسرائيلي ليبرمان أعنف الغاضبين، قد وصف ما حدث بأنه «زلزال عنيف هز المنطقة»، وكرر مطالبته بإعادة تقسيم دول المنطقة علي أسس مذهبية وعرقية، خاصة سوريا والعراق، ووضع شرطين لوقف القتال في سوريا، أولها إقصاء الرئيس السوري، والثاني هو انسحاب إيران وحزب الله من سوريا، وشنت إسرائيل هجوما صاروخيا علي مطار المزة العسكري قرب دمشق، وأحرقت بعض خزانات الوقود في المطار، في رسالة تقول إن إسرائيل لن تقبل بتغيير موازين القوي في مصلحة خصومها، وهو هروب إلي الأمام، لأن إسرائيل لا تبدو مستعدة للتورط في الحرب داخل سوريا، ولو كانت متيقنة من النصر لتدخلت مبكرا، خاصة أن دولا إقليمية كانت تشجعها علي اجتياح سوريا، مستغلة وجود مسلحين معارضين مستعدين للتحالف معها، وما يؤكد عدم جدية إسرائيل أنها نشرت خريطة وقائمة بالاهداف التي قالت إنها ستهاجمها في لبنان اثناء الحرب المقبلة. المعارضة السورية تأتي في مقدمة الخاسرين، فالهزيمة لا تقتصر علي الجانب العسكري فقط، وانهيار مسلحيها في مختلف المواقع، بعد السرعة المذهلة لسقوط أكبر معاقلها في شرق حلب، فالخسارة الأكبر كانت في فقدان الحاضنة الشعبية، وتحول حلم إقامة دولة إسلامية إلي كابوس مخيف، بعد تجربة حكم الجماعات المسلحة، الأشبه بحكم العصابات، ولهذا هبت المظاهرات ضد المسلحين في الكثير من البلدان رغم المخاطر، وسارعت أعداد متزايدة من المسلحين بتسليم أسلحتها للحصول علي عفو من الدولة، وتحررت الكثير من البلدات دون قتال، تحت الضغط الشعبي الرافض لوجود المسلحين.
أما بعض دول الخليج فقد أثارت معركة حلب قلقها الشديد، وهو ما انعكس علي القمة الخليجية في المنامة، وتصدر بيانها الختامي تحذير لإيران من التدخل في الشئون الداخلية لدول مجلس التعاون، وطال التحذير كلا من الحشد الشعبي العراقي وحزب الله الإيراني، وجاء حضور رئيسة وزراء بريطانيا للقمة ليحمل رسالة بأن لدي دول الخليج بديلا للغطاء العسكري الأمريكي، خاصة مع القلق المتزايد من سياسة الرئيس الأمريكي الجديد تجاه المنطقة، وجري توقيع عدة اتفاقيات مع بريطانيا العائدة إلي منطقة الخليج بعد غياب طويل.
عن "الاهرام" المصرية