جرت العادة في المجتمعات المتقدمة،وفي الحركات السياسية عندما تواجه ازمة تنذر بالانشقاق والانقسام والخراب ان تجري حوار ات مع القواعد الحزبية ليس من أجل تشخيص الازمة او تعميقها، بل ،بهدف التجسير بين المواقف والاراء،وهذا الحوار قد يكون نوعا من انواع العلاج بالحديث وهو ان تجري حوارا مع الذوات الحزبية، وان تستمع هذه الذوات لغيرها وان يستمع غيرها لها، بحيث تفضي هذه العملية إلى تفريغ حالة الاحتقان عندهم.
وبالتالي خلق حالة من التوازن النفسي التي تخلق الطمانينة عندهم،لأن اي عضو يتمتع بالمنطق وبالعقلانية يشعر بأنه مهدد في بقائه داخل الحركة، وسينظر له على انه عامل تهديد من الاخر،إن بقي داخل الحركة،ولكون مؤسسات الحركة افتقدت القدرة على الحديث والحوار؛ وبالتالي افتقدت القدرة على اقناع المستبعدين والمقصيين بحيث تقدم مادة كافية لهم للاقناع مما يعطي قراراتهم الحكمة والصواب.
من هنا ترفض مؤسسات الحركة اجراء حوارا داخليا مع ذواتها المتعددة المختلفة،لذلك نلاحظ كيف اهتمت مؤسسات الحركة بتحفيز الاهتمام بالامور الظاهرية دون الالتفات الى الامور الجوهرية التي من اهمها سلامة الحركة والحفاظ على وحدتها الداخلية بحيث تكون قادرة على قيادة المشروع الوطني.
إن ذلك أدى الى توليد الشعور بالاحتجاز عند جميع الاطراف المستبعدة والمقصية،وإن هذا الاحتجاز ناتج عن الاستبعاد والاقصاء والفصل لعدد كبير من اعضاء الحركة،الامر الذي يولد الضغينة عند اولئك المحتجزين نفسيا والمستبعدين والمفصولين،هذه الضغينة المفضية بشكل متسارع الى النقمة كالية نفسية مزدوجة للدفاع عن الذوات المستبعدة وهجومية نائمة تؤدي اذا ما انفجرت الى الدمار الذاتي والموضوعي .
ولكننا نضيف عاملا الى ماسبق وهو تأثير الفصل والاستبعاد الذي يولد الشعور بالاذلال للكادر ويدفع بالتبكير بحتميته انكار هذه الاجراءات ا ورفضها وتدفع الى الحنق والغضب.ولن تفضي عندها حالة الفصل والاستبعاد الا الى استجماع القوة للرد او الانتقام او الثار ولن تؤدي الى الاستسلام، بل قد تؤدي الى الاحتجاج بصور مختلفة.
فجميع الاطراف في الحركة مرتبطين بصلة اسمها العضوية التنظيمية،وهذه العلاقة التنظيمية معلقة بخيط رفيع،مصحوبة بخيبات الامل مع صيحات الرجاء للاصلاح والحوار.ولهذا لايمكن في حالة فتح استبدال وهم الانشقاق بوهم آخر مهما كان نوعه،وانما الاجدر لجميع الاطراف ايجاد طريقة للحوار تفضي الى التعايش داخل فتح بما يحافظ على وحدتها وعلى بقائها،وعلى الجميع في فتح أن يطرحوا سؤالا مركزيا كيف نجد فرقا،من خلال الحوار العميق والائتلاف والانسجام داخل الاختلاف،لان العالم لايحترمك عندما تكون ضئيلا او ضعيفا،لذا ينبغي على فتح أن تنهض بذاتها لا ان تعمل على تشظيها مما يمكنها من الرسوخ والرسو في اعماق المياه الوطنية الفلسطينية،وليس الطفو على سطح المياه. معلقا بشباك الاعلام المؤدية الى التأزيم والتاجيج والاصطفاف،وهذا يتطلب من مؤسات الحركة اعادة الاعتبار واعادة الاحترام لاعضاء الحركة وعدم المس بالاجيال التي تمتلك التاريخ النضالي "الكفاءة النضالية، والكفاءات العلمية والعمر الزمني لهم في الحركة،والتوقف عن إكالة التهم لان فتح ليس اقطاعيات، بل هي حركة سياسية شعبية تضم كل الوان الطيف الاجتماعي والسياسي، فقد تعرضت لانشقاقات ثلاث"ابونضال وسمىيت حركته الانشقاقية فتح المجلس الثوري، وابوموسى وابوخالد العملة وقدري وقد اطلقوا على انشقاقهم الدموي "فتح الانتفاضة"، وتآكل الانشقاقان نتيجة السياسة الحكيمة التي تعاملت بها قيادة الحركة مع الانشقاقين،و المجال هنا لايتسع لسرد اسلوب بل طرق ومناهج الحركة في التعامل مع الانشقاقين، وكذلك جرب ابو الزعيم محاولة انشقاقية في الاردن متبعا اسلوب توزيع المال على المخيمات الفلسطينية، ولم تصمد محاولته الا عدة اشهر وذابت في موضعها دونما جلبة.وتم وأدها في مهدها، في الاردن.
وظهرت فتح الاسلام في لبنان في مخيم البارد وتلاشت هذه الظاهرة الصوتية، ايضا. وبقيت فتح عصية على التدمير وكانت تخرج في كل مرة اقوى من ذي قبل،وهذا راجع لاسباب كثيرة اولها ان الكادر المؤسس"الجيل الاول، والثاني وجتى الثالث لم يفكر اي منهم بالمغادرة الى اي مكان؛ ولان جميع الانشقاقات جاءت بناءا على دعم من جهات عربية واستخباراتية ولذلك خاضت حركة فتح مع فصائل المنظمة الفلسطينية معارك من اجل الحفاظ على القرار الوطني الفلسطيني المستقل، وقد باءت جميع المحاولات السابقة بالفشل لانها كانت تتم على ارض الغير،ابونضال ذهب الى بغداد واما فتح الانتفاضة فذهبت الى سوريا واما فتح ابوالزعيم فذهب الى الاردن وفتح الاسلام الى لبنان،
اما في وضع الحركة الراهن فمختلف جذريا،عن التجارب السابقة،وهنا تكمن خطورته،لان فتح اليوم هي فتح الداخل التي غالبية اعضائها من الداخل(غزة والضفة) والذين لهم امتداد اجتماعي وجغرافي "مناطقي" من هنا تاتي الخطورة على مستقبل فتح، ناهيك عن نتائج تماهي فتح واندغامها في السلطة، والتي يسجل لها انجازات، ويسجل عليها اخفاقات قد تسخدم ضدها في اي صراع لا قدر الله عند الجمهور ، وقد يكون من تداعيات الاستبعاد وعقد المؤتمر ان
تخسر فتح مكانتها بين شعبها في الداخل، والخارج، وان تخسر مكانتها في منظمة التحرير،وان كا ن اخطرها ان تخسر شعبيتها، فلا تتمكن من استمكال ترتيب المنظمة بمجلسها الوطني خصوصا ان هناك قوى سياسية قوية، ولها حضور على الارض ولها شعبية مثل حماس وحزب التحرير والجهاد من خارج منظمة التحرير والجبهة الشعبية غيرها من داخل منظمة التحرير.
فهل تؤسس فتح لنفسها بهذه الاجراءات للرحيل الناعم من الحياة السياسية،خصوصا اذا ما اتبعت اسلوب الاقصاء والاستبعاد والفصل الذي اتبعته داخل فتح إلى اتباعه مع الفصائل الفلسطينية، وفي المحصلة ان اجراءات ترتيب المنظمة سينعكس بالضرورة على شكل النظام السياسي وهويته والتي سوف تعكسها الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة والتي يمكن ان تكون الانتخابات المحلية كاشفة لعمق النظام السياسي او فاضحة لهشاشته،و تبقى الاسئلة قائمة وسنبقى نعيش معها في افق الانتظار الذي امل ان لا يطول حتى تنجلي الازمة بوحدة الحركة وانسجام. لتكون متوحدة مع الفصائل في مشروع وطني للشعب الفلسطيني في اماكن تواجده.
